هناك  قناعة عامة بوجود أزمة عميقة في الثقافة السياسية السائدة لدى فئات واسعة من المجتمع الأردني وتطال سلوك مؤسسات الدولة ونخبها أحيانا كثيرة، وفي فهم هذه الازمة يمكن تفسير المحاولات المحمومة لاختطاف الحياة العامة وضعف تشكل المجال العام.
ورغم الإشارات المتكررة المنبهة لمدى حاجة هذا الملف للعمل الجاد والهادئ، فإن الأزمة الماثلة اليوم لا تقتصر على الثقافة السائدة بل تبدو في التثقيف السياسي،أي في عمليات وأساليب نقل المعرفة والوعي بالشؤون العامة للأجيال الجديدة وعلى حد سواء من قبل مؤسسات التنشئة الرسمية ومن قبل النخب السياسية والإعلامية، ما قد يتجاوز مرات الميراث الثقيل الذي أعاق على مدى عقود مسار الإصلاح والتنمية. 
  الفجوة الحقيقية في التثقيف السياسي الموجه للأجيال الجديدة من الشباب تتمثل في جانب مهم منها في المعرفة والإرادة وترتبط بالنخب حيثما كانت، فهم إذا ارادوا لا يعرفون، وإذا عرفوا فهم لا يريدون. يبدو ذلك وكأنه أحجية؛ لكنها الحقيقة التي تجعل من كل محاولات التغيير ومساراتها التي  تتجاوز الوعي بفكرة الدولة المدنية كفكرة أساسية ومرجعية مركزية في التثقيف السياسي، مجرد شكل بائس من التهويش والمناورات الإعلامية المفرغة من المضمون والشكل.
 لا فرق بين ما تمارسه عمادات شؤون الطلبة في الجامعات وما تمارسه المؤسسات الأهلية والنخب ومؤسسات التنشئة النظامية وغير النظامية، ما دامت تمارس التثقيف بدون تجسيد فكرة الدولة المدنية كمرجعية مركزية نعود إليها في تصنيف الذات وفي ممارسة الحريات والوعي بها، وفي تمثل القيم السياسية والاجتماعية وفي الوعي بأهمية التمأسس السياسي عبر مختلف صنوف المؤسسات، وفي الخلاصة في مضمون المصالح والمواقف ومحتوى العواطف والانفعالات.  
   الوعي بقيمة الدولة المدنية باعتبارها فضاء اجتماعيا وسياسيا وثقافيا للجميع نختلف داخله ونحتمي به ما يزال اقل من الحدود الدنيا في وعي النخب قبل القواعد الاجتماعية العريضة؛ وبالتالي في الوصفات التي نقدمها للشباب والتي تشكل وعيهم في هذا الوقت. الثقافة السياسية التي لم تنضج على نار السنين والصراعات والمصالح، التي لم تتوافق على المصالح الكبرى تبقى ثقافة غير منجزة، وتبقى الدولة التي كان لها اليد الطولى في تكوين هذا المجتمع في مهب الريح تحركها الطوارئ من حولها أكثر من إرادة مواطنيها. هذا المطب التاريخي نكاد نجتازه كما يبدو في التكيف الايجابي في السنوات الأخيرة، لكن مهمة استعادة الوعي بقيم الدولة المدنية الديمقراطية وحرمتها ماتزال تحتاج الى ميلاد وعي جديد.
    الحلقة الضائعة هي حقوق الدولة الثقافية في ثقافة تضفي المكانة على الدولة وتفتح الأفق والوعي بأن غاية الإصلاح وعنوانه الدولة المدنية، ثقافة تبني التوافق الوطني حول القيم الكبرى أيضا، ثقافة من خلالها تعزز مكانة الهوية المركزية للدولة المتمثلة بحقائق الأرض والإنسان والتفاعل التاريخي بينهما، وتحترم الثقافات الفرعية للناس. يتحقق ذلك من خلال خلق بيئة إيجابية تمكن أطراف المجتمع كافة من التعبير كل عن فكره وآرائه من دون أن تستأثر فئة أو جهة بالصوت العالي وتختطف الحياة السياسية والثقافية والفكرية، وبالتالي تختطف الحياة العامة كما حدث في بلدان أخرى. إعادة الاعتبار لحقوق الدولة الثقافية يعني أن الثقافة يمكن أن تكون هي الحل.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد