في أثناء بحثي في العلاقة بين القبيلة والدولة في الأردن، وفي سياق تفسير العلاقة بين الطرفين قادني البحث إلى ضرورة التطرق لشكل علاقة العشائر الأردنية بالقضايا القومية المتعلقة بفلسطين وسورية، وحتى موقفها من قضية الاحتلال الإيطالي لليبيا، ووقفت مطولاً عند موقفها من الحركة الصهيونية تحديداً، التي ستبقى الشغل الشاغل لكل من يؤمن بضرورة دحر هذا المشروع والتخلص منه بشكل نهائي، حتى يتم تحقيق الأمن والسلام في المنطقة، التي تدفع منذ نهاية الحقبة العثمانية ضريبة وجود الدولة العبرية.
ولأن التاريخ سلسلة متصلة، فمن الحكمة التذكير بتلك المواقف الوطنية، وبعث الروح فيها مرة ثانية للتأكيد على أن ما يحدث في فلسطين عموماً وغزة خصوصاً من قتل همجي، يجب أن ينظر إليه في إطاره العربي، من حيث أن وحدة الصراع تؤكد حقيقة التوحد العربي لدحر المحتل الإسرائيلي، الذي لن يتخلى عن طموحه التاريخي بالتوسع وفق ما وضعته الحركة الصهيونية، أي التقدم شرقاً وفق ما تمليه المصلحة الصهيونية.
فعلى خلفية انتفاضة حائط البراق في القدس في العام 1929، قامت العديد من المظاهرات في مختلف أنحاء الأردن، وكان أكبرها في عمان بتاريخ 14/ 8/ 1929، فقد بدأت هذه التظاهرة من وسط مدينة عمان، ثم توجهت إلى المقر الأميري في قصر رغدان، وعند وصول المتظاهرين الى رغدان تحدث باسمهم الشيخ حديثة الخريشا فقال: "إن اليهود هجموا على الحرم وانتهكوا حرمة الدين واعتدوا علينا في عقرنا دارنا، وهذه حالة لا نطيق الصبر عليها، فإما أن نعيش كراما أو نموت، وقد جئنا الآن نستأذن من سموكم أن تسمحوا لنا بالزحف على فلسطين انتصارا لإخواننا". وبعد التظاهرة توجهت مجموعة من الرجال تقدر بحوالي 600 مسلح الى جسر اللنبي، لكنّ السلطات البريطانية وضعت قوات عسكرية حالت دون قطع هذه المجموعة الجسر الى فلسطين.
هذا الموقف الوطني الواعي لخطورة المشروع الصهيوني، يدعو للتعامل مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بنفس الروحية التي كانت في بواكير تأسيس الدولة الأردنية من قبل عشائر شرق الأردن، التفاصيل هذه موثقة في جريدة "فلسطين"، التي كانت تصدر في يافا، العدد 71 بتاريخ 2\9 \1929، وكذلك العدد 74 الصادر بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ.
لم يكتف الأردنيون بهذا الموقف، بل عقدت عشرات الاجتماعات، كان من أهمها اجتماع في الحصن في مدينة اربد بتاريخ 17\ 9 \1929 اتخذ المجتمعون فيه عدة قرارات منها:
- توجيه النقد الشديد للسياسة البريطانية تجاه عرب فلسطين.
- مقاطعة البضائع اليهودية.
- دعم الفلسطينيين بالمال والسلاح والمتطوعين عن طريق جمع التبرعات.
وترجمت تلك القرارات عمليا بإرسال الأسلحة إلى فلسطين، فقد ضبطت السلطات البريطانية في الفترة الواقعة بين 23 \8 \ 1929 و30 شباط 1929 الأسلحة التالية: 39 بندقية، 204 مسدسات،35 بندقية صيد، 1328 خرطوشة بندقية، 1969 خرطوشة مسدس، 130 قنبلة.
إن التذكير بمثل هذه المواقف الوطنية، يأتي في سياق التأكيد على أن وحدة الهدف تلتقي مع كل المقاومين لدحر الاحتلال، وتقتضي القيام بمثل ما قام به الأجداد، فنحن الأحفاد ملزمون بمتابعة ما بدأوا به، لإحباط المشروع التوسعي الصهيوني وإنهاء دولة الاحتلال، التي لا تقيم وزنا للأعراف الإنسانية.
الشيء بالشيء يذكر، فقد قامت سلطات الانتداب البريطاني في الأردن بمجموعة من الإجراءات الاحترازية لمنع وصول الدعم للفلسطينيين من خلال:
- الطلب من المسافرين إلى فلسطين إبراز وثيقة تثبت شخصيتهم.
- زيادة عدد مراكز الحدود.
- منع المرور على جسر اللنبي من الساعة 11 ليلاً إلى الرابعة صباحاً.
- وضع عدد من الشخصيات الأردنية تحت المراقبة، لاتهامهم بتهريب الأسلحة إلى فلسطين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن