المشهد الليبي نهاية الاسبوع الماضي يحمل مفارقة تختصر الكثير مما تجاوزناه دفاعا عن شرف الربيع العربي؛ حيث الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون في طرابلس وبنغازي كأول زعيمين هرولا الى ليبيا الجديدة رغم صعوبة الموقف الأمني، وما إنْ غادرا بساعات حتى تحط طائرة الزعيم التركي. يدل هذا المشهد على حجم الصراع على مستقبل هذا البلد وحجم التحديات التي تنتظره من الخارج علاوة على ما ينتظره من اقتتال وصراع داخلي بين الثورة غير المنجزة وفلول النظام السابق من جهة، وبين الفصائل والجماعات الثائرة التي قد تجد نفسها موزعة بين قوى خارجية.
  ثورات الربيع العربي التي وصفت بأنها فعل داخلي خالص تكوّن نتيجة تراكم الظلم والاستبداد وفشل دولة الاستقلال وفساد نخبها وتآمرها مع الخارج على مصير شعوبها ومستقبل أجيالها؛ شكلت لحظة تاريخية فارقة في تاريخ العرب لم يكن لها مثيل منذ خمسة قرون، منذ أن دخل العرب في اوحال التهميش والهيمنة الخارجية والخراب الداخلي، لذا تشبه هذه الثورات المتتابعة ليلة القدر العربية وهي الليلة التي يتخلص فيها الانسان وفق التقاليد العربية الاسلامية من استلابه وخطاياه ويولد من جديد، ولكن ليلة القدر العربية يراد لها ان تسرق قبيل أن يطلع الفجر بلحظات.
شكلت استقلالية هذه الثورات في بدايتها شرفها الحقيقي ورأسمالها التاريخي، وهو ما فاجأ الغرب، وحاول الالتفاف على هذه الحقيقة كما يبدو في النسخة الليبية وغيرها. رئيس المجلس الانتقالي الليبي بأدبه الجم ووطنيته الخالصة يعلن صراحة ان الدول التي ساعدت ليبيا لها الاولوية في الاستفادة من عقود إعمار ليبيا بينما حاول الرئيس الفرنسي من طرابلس أن يبيع  الليبيين السذاجة بأن تدخل بلاده العسكري لم يكن لأهداف اقتصادية بل لاهداف انسانية، وهي الاهداف التي حصد الليبيون ثمنها خمسين الف ضحية ودمرت بلادهم وتحتاج حسب تقديراتهم وقبل معارك طرابلس الى اكثر من 500 مليار دولار لاعادة البناء.   ما الذي أتى بالرئيس الفرنسي في هذه الظروف الصعبة الى طرابلس، وما الذي يدفعه ليصطحب معه المستشرق الصهيوني برنارد هنري ليفي الذي يخوض ويجول في تعكير الثورات وحركة التحرر العربي الراهنة، وهو الذي بارك مجازر جيش الدفاع في غزة ووصفه بأكثر جيش يطرح أسئلة أخلاقية في العالم، وهو الذي لا يتوقف عن وصف اسرائيل بالمعجزة الديمقراطية وسط فاشية جاهلة.  لقد قاد نظام اللجان الثورية المخلوع الشعب الليبي إلى هذا المصير الكئيب؛ الأمر الذي يدفعنا في هذه اللحظات التي تعكر صفو ليلة القدر والخلاص للتساؤل؛ هل الشعوب العربية غير قادرة على تحمل مصيرها بذاتها، هل كان الشعب الليبي سوف يحتمل استكمال معركة مع النظام السابق، ربما ستكون أطول ولكن بخسائر أقل وشرف أكثر. تفيد الخبرة التاريخية، على الأقل في النصف الثاني من القرن العشرين، كيف عمل المجمع الصناعي العسكري في الغرب على إدارة حروب جنوب العالم واستدامتها، وفي المقدمة حروب إفريقيا التي كان لفرنسا دوما اليد الطولى فيها. ومن الأمثلة الشهيرة الصراع على أنغولا في التسعينيات من القرن الماضي، حيث كانت القوى الدولية تتقاسم الأدوار كما تتقاسم الثروات والنهب، ألم تكن فرنسا تستغل مناجم الذهب الأنغولية وتدعم أحد طرفي الصراع، فيما الولايات المتحدة تسيطر على النفط وتدعم الطرف الآخر؟
جربت الشعوب العربية صيغة جلب الديمقراطية بالطائرات والبوارج العسكرية والدمار، ودفع الشعب العراقي على مدى عشر سنوات مئات الآلاف من الضحايا وويلات الحروب الأهلية التي من المتوقع أن يبقى الشعب العراقي يدفع ثمنها لعقود مقبلة؛ إنها صيغة استبدال طغاة الداخل بالهيمنة الخارجية والغزو الخارجي؛ إنها ليلة القدر المسروقة قبل أن يطلع الفجر بلحظات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد