تنتشر ملامح أزمة الانتماءات أينما اتجهت على خرائط الخراب السياسي في العالم العربي. وحيثما تلوح نذر الحرب الأهلية، وما أكثرها هذه الأيام، توجد أزمة في المواطنة تذهب بعيدا في العمق الاجتماعي، في الوقت الذي ترتجف القلوب حول مستقبل الثورات العربية التي قامت باسم المواطنة، فيما يبدو مقتلها اليوم في الصراع على المواطنة، بدءا من تعريفها وصولا إلى ممارستها، وكأن الجميع أمام أحجية تجمع بين السم والدواء.
في العمق، وخلف نذر الحروب الأهلية، تتفاعل أزمة طاحنة تعبر عن فجوات عميقة في العمق الاجتماعي للمواطنة، تكشف زيف إنجازات الدولة الوطنية وعدم نضوجها على الرغم من أن معدل عمر هذه الدولة في العديد من بلدان العالم العربي قد تجاوز نصف قرن وأكثر. وبالفعل، حصلت الدولة الوطنية العربية على اعتراف الجميع في العالم إلا اعتراف مواطنيها، وها هي الثورات الديمقراطية تقوم من أجل المواطنة ثم تطحن جماهيرها بأسنان المواطنة، وكأن عمق الانتماءات الأولية، الاجتماعية والسياسية والدينية، يتجاوز الدولة بكل تعبيراتها وبسلوكها؛ تلك الانتماءات المتمثلة في فقر المواطنة وتشتت مستوياتها. وكما تعبر هذه الأزمة الكبرى عن هزيمة مشاريع الاندماج الاجتماعي والتكامل السياسي التي ادعت الأنظمة السياسية الانشغال بها على مدى العقود الماضية، نجدها أيضا أزمة الثورات ومشاريع الديمقراطيات المنتظرة.
قد يقول قائل: إن جذور الأزمة تكمن في صنائع تلك الأنظمة السياسية وفشلها التنموي والسياسي، ويجب أن تكون هذه الأزمة أداة للإصلاح والتغيير أكثر من كونها أداة تستثمرها الأنظمة لاستمرارها وتبرير سطوتها الأمنية. وبالفعل، هذا تحليل وجيه ونجد جذوره العلمية في فكرة فجوة الاستقرار؛ وهي فجوة تظهر في الفترة الفاصلة بين حالة الاستقرار التي يفرضها الاستبداد ومرحلة التحول نحو الديمقراطية. وفي المسار الطبيعي قد تتجه الأحداث نحو هذه النتيجة التي تعني مخاض استقرار القيم والانتماءات، وهو للأسف مسار لا يتجه إليه العالم العربي في هذا الوقت رغم حجم الفوضى والإرباك، نظراً لحجم تشابك القوى والمصالح المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة فوق الساحات العربية، ورغم تناقضها الظاهر مع بعض الأنظمة السياسية إلا أنها لحظة تجسد التقاء المصالح بالتوافق على استمرار الأمر الواقع وإيهام المجتمعات بأن الخير كله باستمرار هذا الواقع.
كان ابن تيمية يقول إن سبعين عاما تحت نير حاكم مستبد خير من ليلة واحدة تقضيها الأمة تتلظى نار الفتنة. وفي العصور الوسطى الأوروبية، يروى أن العامة ابتدعت مقولة لمواجهة انفتاح أحد القياصرة تقول: "إن الحرية وسيلة ابتدعها القيصر كي يستعبدنا". وكله خطاب تسويغي وتبريري أنتجته السلطة مرات عديدة في التاريخ لتبقى محتكرة للقوة ولمصائر الناس، وهو ذاته الخطاب الذي يزدهر اليوم في العالم العربي، يُحطب تحت نار الانتماءات الأولية ويعيق فرص التفاهمات التاريخية الكبرى، ويعطل حركة المسار التاريخي للاندماج الاجتماعي ما دامت هذه الانتماءات تخدم مصالح أخرى تطبخ في الغرف الخلفية بمعزل عن إرادة المجتمعات وأولوياتها. ومن المفارقات المؤلمة أن معظم حالات الاشتباك الأهلي في آخر عامين جاءت مفرغة من أي مضمون سياسي أو اجتماعي حقيقي، ما يفسر أنه حالة احتقان توظف لتحريك حالة سياسية؛ لنلاحظ حالة الاضطراب الأخيرة التي شهدتها شوارع القاهرة وصنفها الخطاب الرسمي للثورة بأنها "فتنة".
سوف تستمر حالة التوتر الأهلي مشتعلة، ولا ينتظر زوالها قريباً أو حسمها أو إطفاء نار الفتنة كما يسمونها؛ لأن أيا من هذه المسارات يعني قطيعة مع كتلة تاريخية بأكملها وبداية بنية تاريخية جديدة، وهذا ما لم ينضج بعد.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد