من المتوقع أن تحصل الحكومة المنتظرة على ثقة مجلس النواب بدون عناء، بغض النظر عن تشكيلتها أو مضمون برامجها السياسية والاقتصادية؛ فمجلس النواب لم يعد الجهة المؤهلة موضوعيا لمنح ثقة حقيقية تجد صدى في الشارع، وهنا تكمن المسألة الحساسة فيما إذ كانت الحكومة المنتظرة تريد مجرد التهدئة بالاستناد إلى ثقة مطرزة من مجلس النواب، أم استعادة ثقة الشارع وترميم ما لحق بالعلاقة بين المجتمع والدولة من خراب.
خلال الساعات الماضية، شهدت وسائل الإعلام المحلية خطابا إعلاميا دعائيا لا يخدم الرئيس المكلف د. عون الخصاونة ولا حكومته المنتظرة، ولا يقدم التوصيف الموضوعي للمشهد الراهن. فرفع التوقعات والتطلعات فوق حدود الإمكانات الموضوعية سوف يلحق الضرر أكثر، وربما يضرب رغبة الرجل الصادقة في استعادة ثقة الناس بالدولة، حيث لن يحصد الخطاب الإعلامي الراهن سوى التهدئة الشكلية التي قد تنسحب على الشارع لعدة أسابيع من التهدئة والاسترضاء، ولكن ماذا بعد؟
سياسيا، لا يمكن بأي حال من الأحوال حشر الانفراج السياسي في البلاد في علاقة الحكومة المنتظرة بالإسلاميين أو حتى بمشاركتهم في الحكومة، فالمشهد السياسي الأردني تجاوز حدود المعارضة التقليدية والقوى الفاعلة فيها، كما يعكس ذلك الحراك الشعبي والحركات الاحتجاجية المحلية. وهنا تكمن النقطة الحرجة؛ فهل تستطيع الحكومة المنتظرة مخاطبة الشارع وتطوير لغة سياسية يفهمها؟ وهل تتوفر بين يديها أدوات أو أوراق قادرة على الرهان والمناورة من خلالها، بعد أن جُرب الكثير من أدوات فرّغت من مضامينها مجانا؟
مسألة نزاهة الرئيس وتاريخه المهني الذي يحترمه الجميع، وابتعاده عن حسابات واستقطابات المعترك السياسي المحلي؛ جميع هذه الصفات ستبقى موضع الاحترام والتقدير، وهي قيمة مضافة لرصيد رجل الدولة، ولكنها لا تكفي وحدها لإدارة البلاد وإخراجها من حالة فقدان الوزن والاتزان في لحظة من أكثر اللحظات التاريخية كثافة في مصادر التهديد الداخلية والخارجية، إذا لم يسند بفريق قوي وكفؤ وبرنامج جاد للتحول نحو بناء دولة الديمقراطية الوطنية.
الطمأنينة المفرطة تقود حتما إلى الاسترخاء، ولا تبتعد كثيرا عن التشاؤم المفرط. المرحلة الراهنة تحتاج المزيد من الحذر، وبناء ثقة بالقدرة على الإصلاح عبر الحاجة الملحة لتعديل المسار نحو إصلاح تنموي جاد. وهذه البداية الحقيقية للإصلاح الشامل، فلقد أرهقتنا النخب بسجالاتها التي حصرت الإصلاح السياسي بالانتخابات والأحزاب، وأغفلت أن حق الناس في تنمية عادلة هو جوهر الإصلاح السياسي.
مطب الإعلام، وحالة رفع التوقعات، قد تأخذنا بعيدا، لنصحو بعد حين ونجد أن رفع توقعات الناس تحول إلى مصدر قلق. نحن بحاجة إلى وضع الأمور في نصابها الموضوعي؛ فالحكومة المنتظرة حكومة ذات مهمة واحدة ومحددة، هي استكمال منظومة تشريعات الإصلاح، وتهيئة البلاد لانتخابات نيابية مبكرة، وتصريف أمور الدولة، وأي مزاودات تتجاوز هذه الأمور ستدفع ثمنها الحكومة نفسها.
كم نحتاج في الأردن إلى كيمياء سياسية جديدة لكي نتجاوز الحافة. وكم نحن بحاجة إلى مبتكرين جدد لتحضير هذا المركب. ثمة فرق كبير بين الكيمياء القائمة على العلم والتجربة، وبين السحر القائم على الهرطقة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد