في الوقت الذي لم يعد العامة ولا الخطاب المعد للاستهلاك الإعلامي يصدقان قصة الحرب الإيرانية الغربية، تزداد المؤشرات الدالة على نهاية حقبة من الألعاب الاستراتيجية التقليدية القائمة على الردع بالشك والتفاهمات الصامتة وإدارة الغموض، وصولا إلى الحاسة الاستراتيجية المستيقظة التي أخذت تشير إليها تقارير متخصصة تحت عنوان من يبدأ الضربة أولا.
الجميع لا يريدون الحرب، ولا يقدرون عليها؛ أي لا ارادة ولا قدرة في هذه اللحظة لدى جميع الأطراف لخوض حرب جديدة، لكن من مصلحة هؤلاء جميعا خلط الأوراق وإنهاء النمط الحالي في إدارة المنطقة الذي اتسمت به التفاعلات السياسية والاستراتيجية خلال العقدين الأخيرين؛ إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن الثورات والحركات الاحتجاجية العربية قد قلبت بطن الأرض، وغيرت بنية المنطقة، بينما ما يزال الصراع على مستقبل إدارة المنطقة مفتوحا.
التطورات المتسارعة خلال الأيام الأخيرة من قصة العقوبات الغربية، وتوالي أزمة إيران الاقتصادية من تداعيات العقوبات السابقة والعقوبات المقبلة، والتهديدات بشأن مضيق هرمز، واغتيال العالم النووي الإيراني واتهام إسرائيل بالوقوف وراء الاغتيال الرابع خلال فترة قصيرة، وصولا إلى خطاب الأسد الأخير وتلويحه بحلول أخرى للأزمة التي تهدد نظامه، يجتمع هذا كله في بؤرة إدراك أن محورا بأكمله أهدرت إيران موارد وطاقات على مدى سنوات طويلة في تدشينه، أصبح على صفيح ملتهب؛ في الوقت الذي تجد فيه إسرائيل فرصتها التاريخية المواتية للقضاء على طموحات إيران النووية ورؤوسها التي طالما هددت بها، ما يعني عمليا تفكيك التحالف المزعج لها وهو في أضعف حالاته.
تقدير الموقف في هذا الوقت يذهب نحو أن الرئيس الأميركي الذي يلملم جنوده من أفغانستان والعراق ويعيدهم إلى الوطن، لن يذهب طوعا إلى الحرب، ولا الرئيس الفرنسي الخارج للتو من المواجهة في ليبيا حيث لم يأت البيدر بطموح الزراع. لذا، قد تكون استراتيجية الوصول إلى الحافة هذه المرة مغامرة ومقامرة، قد تدخل الجميع في العاصفة. فقد تعودت الولايات المتحدة وإيران الوصول بالتحدي في كل مرة إلى الحافة ثم الانسحاب؛ في هذا الوقت تجعل الأحداث والتداعيات العمل العسكري مبررا لكل من إسرائيل وإيران في الكواليس الخلفية، أكثر من أي وقت آخر، حيث تتداعى كل يوم عشرات السيناريوهات.
الحسابات الدقيقة تدعو إلى مراقبة الأحداث بحذر وبعين ثالثة. حرب جواسيس إسرائيلية تخترق المنطقة طولا وعرضا، وحرب اغتيالات إسرائيلية وخطط جاهزة للاختراق، ومناورات إيرانية واستعراض للقوة يمتد من الحدود الأفغانية إلى مضيق هرمز، بينما "النووي الإيراني" ينضج على نار ساخنة.
الرائج أن الحرب المؤجلة منذ سنوات طويلة ستكون كارثية على المنطقة، ويحدد ذلك حدود العمليات العسكرية وتداعياتها. وما قد نفاجأ به أن تقدم المنطقة على عمليات عسكرية محدودة لجس النبض المتبادل، تكون مقدمة لتفاهمات واسعة وتاريخية.
أردنيا، يحتاج صانع القرار إلى حسابات دقيقة في تقدير الموقف وتداعياته في ثلاثة اتجاهات أساسية: أولا، البعد الاستراتيجي العسكري ومدى القدرة على إبعاد الساحة الأردنية عن أي توظيف عسكري من أي جهة، وتجنب أي تداعيات محتملة بالحفاظ على الحياد الإيجابي. ثانيا، الاستعداد جيدا لإدارة أي عمليات نزوح إنساني وغير إنساني قد تفاجئ الجميع، ومن اتجاهات متعددة. وثالثا، وضع سيناريوهات وبدائل لأزمة طاقة قاسية سيشهدها العالم، وأبرز ملامحها ارتفاع حاد وغير مسبوق لأسعار النفط.
الحروب أكثر كوابيس التاريخ تكرارا، وستبقى تتكرر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد