مقابل كل عين مفتوحة على تحولات دول الربيع العربي، تراقب المصائر التي تؤول إليها الثورات ومفاجآتها، هناك ألف عين ترصد وتراقب ما يحدث في مصر، وأهمها هذه الأيام هوية الرئاسة المصرية القادمة، وحدود المفاجآت المنتظرة، وهل ستنتقل العدوى المصرية إلى الثورات العربية الحائرة بعد أن أتعب الناس ميدان التحرير ولم يعد هناك أمام المجلس العسكري إلا الرحيل.
السباق الرئاسي المصري الذي يبدأ في العاشر من الشهر المقبل يبقي باب الترشح ومستقبل الرئاسة مفتوحا على كل الاحتمالات، وأبرز مفاجآته المبكرة تقدم المرشح السلفي الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل في استطلاعات الرأي الأولية، بتفوقه على كل الأسماء التقليدية التي ترددت. وعلى الرغم من إعلان جماعة الإخوان المسلمين، ومنذ وقت مبكر، ابتعادها عن دخول سباق الرئاسة والتزامها بعدم دعم مرشح إسلامي، يدخل السلفيون على خط التنافس الرئاسي بقوة، ويلوحون بأن قواعد شباب الإخوان معهم، فيما لا يوجد ما يمنع أن يشكلوا المفاجأة التي تختم المشهد الأخير في وصف مصر المعاصرة.
وصل المجتمع السياسي المصري خلال الشهور الماضية إلى ما يشبه التوافق بأن مرشحا توافقيا وغير إسلامي سيكون الأقرب إلى تسهيل عملية نقل السلطة؛ إذ يؤكد طيف واسع من رموز النخبة المصرية، بما فيها نخب إسلامية، أن وجود رئيس إسلامي في هذه المرحلة قد يضر بمصالح مصر الاستراتيجية إقليميا ودوليا، إلى جانب الحاجة إلى تطبيق الحد الأدنى من مبادئ العدالة الانتقالية، والتي تعني الأساليب والآليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية في تاريخه، تحدث بعد ثورة أو حالات عدم استقرار تسود في الطريق إلى النضوج الديمقراطي، وتوفر فرصا متساوية ومبادئ راسخة لتداول السلطة.
في هذه المرحلة الرمادية المملوءة بالموت والاضطرابات، وبالحرائق والصداع السياسي، فقدت مصر الكثير من رصيدها السياسي والاستراتيحي المنتظر بعد الثورة، وفقدت أشياء مهمة أخرى لا تقل أهمية عن الضحايا؛ منها إحراق مئات المخطوطات وأصول للعديد من الكتب التاريخية، وآخرها ما دُمّر في حريق المجمع العلمي، ومنها نسخة ورقية أصلية من كتاب "وصف مصر"، وهي واحدة من خمس نسخ أصلية موجودة في العالم، وهو أكبر موسوعة عن أراضي ومياه وبيئة ومجتمع وآثار مصر. المهم اليوم كيف يكتب وصف مصر في الأيام المقبلة، فيما تتقدم الصفوف  نخب لا يعنيها كثيرا التدقيق في عناصر قوة مصر الحقيقية، مقابل المغالاة في الموقف الاجتماعي والتفسير الأخلاقي الأيديولوجي للحياة اليومية للناس، وتحويل كل ذلك إلى مضمون سياسي.
تتدفق على شوارع مصر أموال هائلة من مصادر متعددة، بعضها يطارده المجلس العسكري، وأخرى يصمت عنها. تلك الأموال قادرة على قلب الحجارة والسهول ودلتا النيل وإعادة وصف مصر من جديد، بينما الجدل حول اليوم التالي للانتخابات الرئاسية ومغادرة المجلس العسكري مؤطر بقضايا محددة بفعل قوة الدعاية السياسية والأموال. وعلى سبيل المثال، يحاول الإعلام أن لا يرى من السلفيين إلا الموقف الاجتماعي وجلد النساء أو الممثلات، على رأي عمر الشريف الذي ضرب هو نفسه امرأة قبل أسابيع، بينما يصمت الإعلام عن طبيعة المواقف السياسية والاقتصادية وخطورتها التي ستحكم الحياة العامة إذا ما وصلوا إلى السلطة أو شاركوا بقوة فيها.
وبينما يدار الموقف الصراعي بين المتشدد والأكثر تشددا، سوف يختتم الموقف الانتخابي خلال أسابيع بالمشهد الأخير من وصف مصر المعاصرة، والذي سوف ينسحب على كثير من الثورات الحائرة والمنتظرة، وسيحدد ملامح التفاعلات السياسية في المنطقة لعقود مقبلة.

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد