توسعت مدننا على حساب رقعة الأراضي الزراعية التي كان يمكن لها أن تكون منتجة للمحاصيل الرئيسية التي تسد جزءا من حاجة الوطن
انشغلنا في العقود الأخيرة في الحديث عن التقنية وتكنولوجيا المعلومات وسبل تطويرها وأغفلنا عن قصد أو غير قصد الاهتمام بالزراعة، وخصوصا المواد الرئيسية منها كالقمح والحبوب بمختلف أنوعها من الشعير والذرة والعدس وغيرها من الأصناف التي تعتبر أصنافا إستراتيجية ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للأفراد وهي أيضا في الوقت ذاته تحقق ما يعرف بالأمن الغذائي للحكومات والدول.
فقد توسعت مدننا وخصوصا عمان على حساب رقعة الأراضي الزراعية التي كان يمكن لها أن تكون منتجة للمحاصيل الرئيسية التي تسد جزءا من حاجة الوطن لتلك المزروعات بغابات "الكونكريت" التي كان من الأجدر بالمخططين سابقا الزحف بمدينة عمان نحو الشرق وبذلك يتم إحياء الارض الموات هناك في شرق عمان وتبقى غرب عمان خزانا للغذاء، ولكن سبق السيف العذل، إلا أنه لا يزال هنالك فرص لما تبقى من عمان وغيرها من مناطق الأردن التي يمكن الحفاظ فيها على الرقعة الزراعية التي شحت بشحوح المطر عندنا.
والأمر لا يقتصر على عمان وحدها بل إنها تكاد أن تكون ظاهرة تستدعي الوقوف عندها مطولا، إذ نجد أن كل جامعاتنا التي تم بناؤها بدءا بالجامعة الأردنية وليس انتهاء بجامعة الطفيلة التقنية، قد تم بناؤها في أخصب المناطق الزراعية التي كانت بحق تشكل مخزنا استراتيجيا للحبوب الرئيسية في الأردن وعلى رأسها القمح، فسهول اربد بدلا من أن تكون خزان روما من القمح، استعيض عنها بالبناء الذي أكل ارض الزراعة فيها، وسهول مؤتة هي الأخرى لم يبق فيها مكان يزرع !
ولعل السبب الذي دفعني للحديث عن هذا الموضوع الاستراتيجي والحيوي والذي يمس حياة الناس بشكل مباشر النشرة التي أصدرتها دائرة الإحصاءات العامة مؤخرا في العدد السادس من نشرة الميزانية الغذائية للعام 2008 ومتوسط الفترة 2006-2008 والتي تتناول مسائل تتعلق بالغذاء والاكتفاء الذاتي وحاجة الفرد من السعرات الحرارية.
ففي القضية المتعلقة بالاكتفاء الذاتي، تحدد بيانات الاكتفاء الذاتي بقدرة القطاع الزراعي على الوفاء بالمتطلبات الغذائية من الإنتاج الزراعي الوطني، إذ إن قيمة الفجوة الغذائية المرتبطة بالزراعة مرشَّحة للارتفاع، ومعظم الفجوة يتمثل في مواد الحبوب، حيث تساهم مجموعة الحبوب ومنتجاتها بما نسبته 43 في المائة من النصيب اليومي للفرد من السعرات الحرارية الكلية في العام 2008.
وتبرز أهمية القمح ومنتجاته، حيث يساهم بما نسبته 34 في المائة من النصيب اليومي للفرد من السعرات الحرارية الكلية، أي ثلث الاحتياجات اليومية للفرد من السعرات الحرارية. وتشير البيانات إلى أن الأردن يعتمد بشكل شبه كلي على المستوردات من القمح، حيث استورد ما نسبته 96 في المائة من احتياجاته من القمح في العام 2005. وما لبثت هذه المستوردات أن ارتفعت لتشكل 99 في المائة من الاحتياجات في العام 2008.
إن نسبة الاستيراد في القمح تكاد تكون مائة بالمائة فهل آن الأوان للالتفات نحو هذا المنتج الاستراتيجي وتحقيق الحد الأدنى من الإنتاج فيه ولا أقول الاكتفاء الذاتي. مشروعية هذا الحلم لا يمكن تحقيقها على المدى القريب!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن