انتشرت خلال آخر عامين ظاهرة المبادرات الشبابية في موضوعات متعددة، تقدم تحت شعارات العمل التطوعي الشبابي، وبعناوين جذابة ولا أجمل منها. إلى هنا فإن هذه ظاهرة صحية ومعافاة، وتدل على حيوية هذا الجيل من الشباب الأردني بعد عقود دخل فيها العمل التطوعي في المجتمع الأردني في حالة غيبوبة مزمنة. لكن الخطورة ذات بعدين؛ الأول، أن تتحول الظاهرة إلى مجرد موجة عابرة وحالة "استعراض شبابي" تفتقر إلى المأسسة والاستدامة والبناء التراكمي؛ والبعد الثاني، أن نكتشف أن الظاهرة تخيلية وافتراضية ومكانها الفعلي على "الفيسبوك" وشبكات التواصل الاجتماعي الأخرى على الانترنت، ولا وجود حقيقيا لأعمال تطوعية على أرض الواقع.
الدعم والمساندة الإعلامية للمبادرات التطوعية يشبه "أكسير الحياة" لهؤلاء الشباب لكي يجدوا أنفسهم في مجال مملوء بالمعنى والقيمة والبذل والتقدير، لكن على أن لا يتحول التركيز الإعلامي لتصنيع ظاهرة غير موجودة إلا في التغطيات الإعلامية وعلى شبكة الإنترنت. بعض المبادرات قامت بنشاط واحد فقط، وتقدمها وسائل الإعلام على أنها شبكة تطوعية تصل إلى عشرة آلاف متطوع، وهم في الحقيقة مجرد المسجلين في صفحة التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يأخذ هذه الظاهرة التي نتمسك بها إلى مجرد وسيلة للاستعراض الاجتماعي لن تصمد على المحك وستزول سريعا.
بقيت حركة التطوع في المجتمع الأردني، إلى وقت قريب، غير مدروسة بشكل واضح ودقيق؛ حيث لا توجد مؤسسة عامة أو مستقلة ترعى الجهود التطوعية وتوثق لها، كما لا توجد مسوحات دورية أو غير دورية تتابع حركة التطوع وترصدها، ولا تشريعات متخصصة في هذا المجال، تنظم حركة المتطوعين وتحمي حقوقهم، فيما ساد شعور عام بتراجع حركة التطوع في المجتمع الأردني خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
تراجعت حركة العمل التطوعي لدينا، وتحولت إلى جزء من الاستعراض الاجتماعي والسياسي والدعاية السطحية لبعض النخب والفئات سابقا، وتحديدا في مؤسسات المجتمع المدني، بينما يشهد العالم، وفي جهات متعددة، ثورة حقيقية بكل المقاييس في نمو العمل التطوعي وفي توظيفه من أجل الوصول إلى حلول لمشاكل العمل ونقل المعرفة والتنمية والتحديث والاندماج الاجتماعي والسياسي. فمنذ مطلع التسعينيات، ازدهر هذا القطاع بشكل كبير، وغطى في العديد من الدول الفراغ الذي أحدثه انسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية.
قبل عام، أجريت دراسة مسحية حول مكانة العمل التطوعي في المجتمع الأردني المعاصر. ولن أشير إلى نتائجها التي تجلب الكآبة في مجتمع يصف نفسه بـ"مجتمع الفزعة والنشامى". وأمام وزارة الشباب الجديدة فرصة مهمة لتحويل طاقات الشباب إلى عمل إيجابي يعد موردا حقيقيا. وتتلخص المهام العاجلة في: أولا، العمل على إصدار تشريع لتنظيم العمل التطوعي يكفل حماية المتطوعين وتنظيم وتسهيل عملهم. وثانيا، إنشاء هيئة أو وكالة وطنية للتطوع كما هو موجود في معظم دول العالم. وثالثا، إطلاق برامج وطنية وأخرى دولية لتبادل المتطوعين مع مجتمعات أخرى.
ولعل من المفيد الرجوع إلى المشروع الدراسي الكبير الذي نفذه مركز دراسات المجتمع المدني في جامعة جونز هوبكنز في منتصف التسعينيات (مشروع القطاع غير الربحي المقارن)، والذي قدم أدوات علمية لحساب مساهمة كل من القطاع غير الربحي بشكل عام والقطاع التطوعي بشكل خاص، حيث اعتمد كمرجعية للتصنيف الدولي للمنظمات غير الربحية، وطور مقاييس لمساهمة القطاع غير الربحي في الحسابات القومية. وأهم نتائجه أن نسبة المساهمة العالمية لهذا القطاع في الناتج الإجمالي العالمي هي 5.6 % ومساهمة العمل التطوعي، أي غير المدفوع، وحده 2.3 % في 41 دولة تمت دراستها، جاءت أعلاها هولندا بنسبة 15.9 % في القطاع غير الربحي، فيما بلغت نسبة القطاع التطوعي 5.8 %، ثم كندا 12.3 % والقطاع التطوعي 3.2 %.
في الأردن، لا توجد أرقام دقيقة حول مساهمة هذا القطاع في الناتج الوطني الإجمالي، رغم وجود تراث هائل من خبرات العمل التطوعي غير المؤسسي، ولكن مساهمة هذا القطاع لا تكاد ترى بالعين المجردة. ونحن في أمس الحاجة إلى أفكار وحلول ابتكارية وتشريع يحمي المتطوعين وينقلهم من العالم الافتراضي إلى الواقع.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد