جاءت نتائج واحد من أكبر استطلاعات الرأي العام العربي لعام 2011، التي نشرت الأسبوع الماضي، مفسرة للعديد من التحولات السياسية والثقافية التي تشهدها المجتمعات العربية، بعيدا عن الأساطير والأوهام الإعلامية الرائجة هذه الأيام؛ إذ تعيد تلك النتائج وصف الأطر المرجعية للناس، وترجعها إلى أصولها الاجتماعية والمعرفية، بعيدا عن صراخ الأيديولوجيات ومحاولات اختطاف ألوان الناس وأنفاسهم في مرحلة التحولات والانتقالات الكبرى.
"المؤشر العربي" هو مشروع لقياس الرأي العام العربي، ينفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. ويعتبر مشروع "المؤشّر العربي" أكبر مشروع لقياس الرأي العام العربي، شمل 12 دولة، يشكل سكانها 85 % من سكان الوطن العربي، بواقع 16173 مقابلة وجاهيّة مع عينة ممثلة من المواطنين في هذه الدول. ثلاثة مؤشرات أساسية يعيد الاستطلاع تأكيدها، رغم حجم التحولات الحمالة لوجوه متعددة، وهي أن أكثرية الرأي العام العربي تريد النظام السياسي الديمقراطي؛ وأكثرية الرأي العام العربي تحمل توجهات قومية تؤيد إجراءات تكاملية بين البلدان العربية؛ وأكثرية المجتمعات العربية عرفت نفسها بأنها متدينة، ولكنها تؤيد عدم تدخل رجال الدين في خياراتهم السياسية والاجتماعية، وأكثرية الرأي العام العربي تذهب إلى أنه لا فرق لديها بين متدين وغير متدين في تعاملاتها اليومية. تساعد نتائج هذا الاستطلاع المهم في تعميق فهمنا لأصول التحولات العربية، واحتمالات اتجاهاتها المستقبلية. فيما تذهب تلك النتائج إلى توضيح حقائق تحاول قوى سياسية داخلية وخارجية إبعاد الأنظار عنها؛ كيف تستعيد المجتمعات العربية أنفاسها القومية وشعورها بالذات الجمعية العربية من جديد، وسط صعود أكبر موجة للتدين السياسي المعبرة في الأصل عن تدين اجتماعي أصيل.
هناك العديد من المؤشرات الفرعية التي سبق وأن تم نعيها منذ الخسارات الكبرى التي نالت الأمن القومي العربي، حينما تحول إلى مجرد فكرة نزقة لا وجود لها على أرض الواقع مطلع التسعينيات، وما تبع ذلك من ضخ إعلامي وثقافي جوّف المجتمعات العربية، وأعاد ملأها بسلع فكرية رخيصة. ونلاحظ كيف تستيعد المجتمعات وعيها الجمعي، حيث تؤكد أكثرية الرأي العام العربي أن سكان العالم العربي ينتمون إلى أمّة واحدة، وإن وُجدت حدود مصطنعة بين دولهم أو تميّزت بعض الشعوب عن الأخرى ببعض السّمات؛ ونحو ثلاثة أرباع الرأي العام العربي تؤيّد رفع القيود عن سفر المواطنين العرب، وحرّية انتقال منتجات الدول العربيّة، وإنشاء قوّات عسكريّة عربيّة، وتوحيد النّظام النقديّ.
تنسجم هذه النتائج على صعيد استعادة المجتمعات العربية لوعيها القومي، وحتما بصيغ جديدة، مع تحولات عالمية مماثلة في الكثير المجتمعات. فقبل سنوات قليلة، كانت الأسئلة التي طرحها استطلاع القيم العالمي الذي يجريه مركز "بيو" (Pew) تلاقي استجابات مفاجئة للخبراء حول مدى انتماء المستجيبين في عشرات البلدان إلى مجتمعاتهم المحلية وأوطانهم وإلى العالم بأسره. حيث جاءت النتائج لتؤكد أن الذين اعتبروا أنفسهم مواطنين قوميين فاقت بكثير أولئك الذين اعتبروا أنفسهم مواطنين عالميين أو محليين؛ فالهوية القومية كانت طاغية حتى في الولايات المتحدة وأوروبا والهند.
تعيد هذه المؤشرات عقارب الحقائق الاجتماعية والثقافية إلى مواقيتها الأصيلة في تقديم رؤية تفسيرية للتحولات الراهنة، ورؤية للقادم؛ فالثقافة القومية العربية أمامها فرصة واسعة المدى للتجدد، والتخلص من أمراضها وأساطيرها المزمنة والتصالح مع ذاتها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد