إذا كنا نعاني من عزلة عميقة تشهدها الجامعات، بانفصالها العضوي عن المجتمع؛ فإن ظاهرة العزلة التربوية عن المجتمع التي يمارسها كثير من المدارس أكثر خطورة. ونحن بحاجة إلى مراجعة جريئة لهذه الأحوال بعد أن استعاد المعلمون جانبا من عافيتهم؛ فقد حان وقت عتاب المعلمين ومؤسساتهم.
ازدادت هذه العزلة بشكل واضح مع تراجع موارد النظام التعليمي، وتوالي تراجع حصة التعليم من إجمالي الإنتاج الوطني وفي إجمالي النفقات، ما أضفى المزيد من الضعف على القدرات التوزيعية العادلة للنظام التعليمي على المستوى الأفقي، أي بين العناصر الداخلية للنظام التعليمي؛ وعلى المستوى العامودي حسب التوزيع الجغرافي بين الأقاليم.
حينما ينعزل النظام التعليمي عن المجتمع المحيط به يقفز في الهواء، ويفقد عمقه المجتمعي؛ تصبح المدارس بيئات مولدة للتطرف الاجتماعي والديني والاستهلاكي أيضا. وحينما ترتفع أسوارها التي تفصلها عن المجتمع، ينتشر نمط من المؤسسات التعليمية الكئيبة المسكونة بالعقاب النفسي والمشاعر الحادة والتعقيد. فالخطورة دوما أن تفقد المدرسة ثقة المجتمع، وبالتالي تتحول إلى جزء مكون للأزمة الاجتماعية بدل أن تكون جزءا من الحل.
لماذا يشعر الطلبة بعدم الأمان، وبالوحدة والعزلة، وبعدم الإنصاف، والخوف، والتحيز وعدم الانتماء، مقابل تنامي مشاعر القلق لدى الأسر وسط حالة اجتماعية متناقضة من الوصاية المفرطة لدى بعض الفئات الاجتماعية، مقابل حالة مناقضة تماما من اللامبالاة لدى فئات أخرى؟
لماذا تنتشر أنماط من السلوك المفرط بالقيم السلبية داخل المدارس هذه الأيام، مثل المشكلات الأخلاقية، كانتشار المخدرات والتحرش الجنسي، والعنف والمشاجرات بين الطلبة أنفسهم وبين الطلبة والمعلمين، كما انتشار السرقات والاستقواء بين الطلبة على بعضهم بعضا والغش، مقابل انتشار قيم وأنماط من السلوك المفرط في التطرف والخوف الاجتماعي، يبرز أحيانا بانتشار أنماط من التطرف الديني، حيث تحولت خلال السنوات الماضية مدارس حكومية إلى دور للهجرة، تنتشر فيها تعبيرات وممارسات دينية تغلو بالتطرف يمارسها المعلمون والطلبة معا، ولا تقابل هذه الأحوال إلا بصمت المجتمع وإقراره في أحسن الأحوال. وفي الوقت الذي تنتشر في فئة من المدارس حالة وردية من الحرص على حقوق الطلبة ومراقبة كل ما يشير من قريب أو بعيد إلى حقوق الإنسان داخل البيئة المدرسية، يزدهر الشعور بالإقصاء والتهميش والخوف والشعور بالتحيز وبعدم العدالة في الكثير من مؤسسات النظام التعليمي.
كما هو الحال في القيم الاجتماعية، نجد هذا التطرف في التعبيرات الأولية عن القيم السياسية؛ إنه تطرف من نوع آخر من الغربة وعدم الاكتراث والانسحاب، وكأن الطلبة يعيشون في جزر معزولة، فلا صلة لهم من قريب بالمجتمع والدولة، إذ لا قيمة معنوية تذكر للاصطفاف الصباحي والوقوف أمام العلم والنشيد الصباحي، وكأن النظام التعليمي الذي يمارس في الميدان قد تخلى عن مهامه في تنمية الأنساق القيمية ذات الصلة بالانتماء وبتصنيف الذات والشعور بالذات الكلية، وسط حالة أخرى من النزعة العصبوية في التعبير عن الذات والولاء.
الإصلاحات الجذرية والمهمة التي يشهدها بعض أوجه التعليم، والتي تستحق التقدير الوطني، تذكر بالمراحل المبكرة لمشاريع نهضة شهدتها مجتمعات عملاقة في العالم. هذه الإصلاحات بحاجة إلى تدعيم مجتمعي بصيغ سياسية تكفل شرعية هذه الإصلاحات واستدامتها والبناء عليها مجتمعياً، ولا يتم ذلك إلا باقتراح أطر للمشاركة قابلة للحياة، وإدماج الطلبة في الحياة العامة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد