خلال أسبوع واحد قُتل رجل أمن في ظروف ما، وتعرض مدير شرطة محافظة معان إلى محاولة قتل أثناء محاولة تطبيق القانون على مجموعة من المطلوبين، ووصل العنف في الجامعات الى نقطة لا يمكن معها الاستمرار في التعامل بنفس الادوات التقليدية بعد ما تعرض طلبة عرب الى اعتداء آثم من طلبة محليين، ما يؤكد حجم محنة القانون حينما يهمل ويوضع على الرف وحينما يمسك به أيضا، فثمة أزمة حقيقية في قدرة الدولة على استخدام القانون كأداة لتحقيق العدالة وأزمة أخرى في علاقة المجتمع بالقانون.
لم تشهد البلاد حملات منظمة صارمة وحاسمة تعيد سيادة القانون، تشمل المناطق المحظورة التي بقيت سنوات طويلة لم تصل إليها الدولة، ولم تنل عشوائيات المخدرات أو الدعارة، ولا مئات المطلوبين الفارين من وجه العدالة، ولم نشهد إجراءات صارمة لوقف كافة أشكال الانتقائية في التعامل مع القانون. وفي حالات جس النبض التي تمارس بين وقت وآخر نكتشف حجم الفجوة بين مقولة احتكار الدولة للقوة بحكم القانون وبين قدرتها على تطبيق القانون وجعله نافذا على الجميع.
علينا ان نعي تماما ان مسألة مقاومة القانون واردة بقوة بعد غياب طويل، وسنجد قائمة طويلة من المبررات وقائمة أخرى من الدعاة إلى التمهل والتريث وأخذ الاحتياطات والتأجيل، في كل مرة تبرز فيه نوايا في هذا الاتجاه تظهر بقوة تلك الدعوات، وهذا ما حدث أكثر من مرة حينما حاولت الأجهزة الأمنية تحرير مناطق محظورة شكلت مقاطعات محرمة على الأمن ومؤسسات الدولة.
على الذين يتساءلون عن أسباب العنف الاجتماعي المتصاعد في المجتمع الأردني أن يراجعوا قدرات العديد من المؤسسات في حماية حقوق المواطنين، أي قدراتها في ممارسة حقها في احتكار القوة. إذا كانت الحكومات والمؤسسات الرسمية لا تقوم بواجباتها بحماية حقوق المواطن في الأكل والشرب والسكن والحياة الآمنة، فإن ذلك لا يعود لعدم رغبتها في القيام بهذا، بل الأمر في مجمله يرتبط بالكفاءة إلى جانب الإرادة، ويعود الأمر في جانب مهم إلى مسألة توزيع القوة في المجتمع وتوزيع الكفاءة والإرادة بين المؤسسات. وعلينا أن نقر بأن الأمن العام تحديدا قد شهد خلال العقد الماضي تطورا كبيرا في المهنية والاحتراف انعكس ذلك على الكفاءة العامة، ولكن هل انعكس ذلك في إرادة وطنية صلبة في تطبيق القانون؟ هذا هو السؤال المهم في هذا الوقت؛ كيف تتحول الكفاءة الى إرادة لبسط سيادة القانون وجعله يعمل من أجل الجميع بدون تردد أو تريث، ثم هل تتمتع المؤسسات الأخرى بكفاءة تجعل مهمة الأمن ممكنة؟
الإمساك بالقانون بقوة في الممارسات اليومية للإدارة الحكومية مهمة مفصلية وأم المهمات في مسار بناء الدول، وكل الإنشاء والدجل السياسي حول هيبة الدولة والمراوغة في تفسير ظواهر الفساد والهدر ثم الاستقواء والعنف الاجتماعي هي محاولات لحجب الرؤية عن المستوى الذي وصلت إليه الدولة من الغياب والتغييب للقانون.
الدرس الأول في بناء الدول والأمم عنوانه القانون؛ فالتشريع والممارسة وتأسيس المواطنة، واتزان علاقة الدولة بالمجتمع تبدأ بالقانون. وتوزيع الثروة العادل ومنع الفساد مصدرهما الجوهري القانون، والتنمية العادلة لا تزدهر إلا في ممارسة قانونية كفؤة في التشريع والممارسة، حينما تتوفر للدولة، أي دولة، شروط أن تكون ضامنة لمواطنيها بالقانون، تتوفر لها الطمأنينة الحقيقية مهما أحاط بها من أعاصير.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد