هل تقدم صيغة التحالفات السياسية التي جرت على أساسها انتخابات نقابة المعلمين صورة مصغرة عن أنماط التحالفات القادمة في الانتخابات النيابية والبلدية المنتظرة؟ في القراءة المبكرة، يبدو لا جديد يذكر، ما دامت المضامين والخرائط التي تمارس من خلالها صياغة التحالفات هي ذاتها؛ التغيير السياسي الحقيقي يحتاج قلب الأرض السياسية التي يزرع فيها كي تأتي بمحاصيل جديدة، والتغيير السياسي يحتاج إلى تعبير اجتماعي جديد خارجا عن المضامين التقليدية.
لهذا، نعتقد أن الحكم على مرحلة سياسية قادمة غير متبلورة من نافذة انتخابات نقابة المعلمين مبكر وغير عادل. وما نحتاجه في هذا الوقت هو أن نضع الإنجاز المهم الذي حققه المعلمون في سياقه التاريخي بدون مبالغة فيه أو التقليل من شأنه، بل الاستفادة من جس النبض الذي يقدمه هذا التمرين الاجتماعي في التعرف على احتمالات السلوك السياسي للمجتمع في بيئة سياسية يفترض أنها جديدة. الأهمية تنبع من هذه الزاوية، أكثر من قصة التحالفات السياسية للقوى التقليدية.
فالقيمة الحقيقية تبدو في أهمية تتبع السلوك السياسي للمجتمع، والتعرف على احتمالات بروز قوى سياسية جديدة أو خطابات اجتماعية–سياسية جديدة. ومن هذه الزاوية تبدو فائدة قراءة انتخابات الفروع لنقابة المعلمين، التي تقدم نماذج من القواعد الاجتماعية العريضة الأكثر انتشارا على مستوى البلاد، وبالتالي تبتعد هذه الممارسة السياسية عن التركيز التقليدي في المدن ومراكز النشاط السياسي التقليدية. كما أنها تحمل دلالات أكثر تركيزا من زاوية أخرى أكثر وضوحا من الانتخابات النيابية على طبيعة المزاج السياسي، ويتمثل ذلك في طبيعة الفئة الاجتماعية التي يمثلها المعلمون، وهي الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى، وهي فئة اجتماعية على درجة عالية من الحساسية والقدرات الخفية التي لا تُلمس إلا على الأرض.
لا نستطيع إنكار أن ثمة قوانين غير مكتوبة يمكن التعرف عليها من خلال قراءة محركات السياسة المحلية وعلاقاتها بالبعدين الوطني والإقليمي. بعض هذه المحركات كانت على درجة كبيرة من الأهمية في حماية الدولة واستمرارها، وبعضها كانت الوصفة المتكررة للخروج من الأزمات، وأخرى كانت أداة لتنفيذ أو تمرير بعض التحولات أو الصفقات أو لحفظ التوازنات أو خلط الأوراق. وكما كانت هذه القوانين والسمات السياسية مهمة وضرورية في بعض المراحل، فإن بعضها أعاق التحديث وأضعف من مناعة الدولة وحصانتها. نأخذ على سبيل المثال، فرضية التوازنات السياسية، كما تعكسها الجهات والمناطق والقوى وأخيرا الطبقات، ثم دور العشيرة ودور العائلات التاريخية وتحالفاتها التي يتم إعادة إنتاجها كل عقد على حد التقريب؛ هل ما تزال هذه الفرضيات قابلة للحياة في المرحلة القادمة، ثم تكيف الدولة أو قل قبولها عمليا بوجود حد من الفساد، وكذلك وجود حد من الغموض السياسي في إدارة الملفات المحلية–الإقليمية، كما هو الحال في أنماط وسمات التجنيد السياسي، أي بناء النخبة السياسية الذي ما يزال في أغلب الحالات يقوم على مفهوم مشوش للولاء السياسي على حساب الانتماء الوطني والكفاءة والمهنية؟
كل تلك المحركات غير المعلنة، والتي هيمنت على الحياة السياسية عقودا طويلة، ستجد الدولة نفسها مخيرة أو مرغمة على تغييرها، ما يعني عمليا تغير خرائط التحالفات فعليا على الأرض. والأمر الأهم من ذلك أن جرعة التسييس ستنال المجتمع والقواعد العريضة التي طالما اكتفت بالفرجة أحيانا أو تسييرها عن بعد في أنماط المشاركة الشكلية. وفي تسييس المجتمع تكمن المعركة السياسية الحقيقية المقبلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد