النقاش الحاد الذي شهده مجلس النواب الأسبوع الماضي حول تسجيلات يزعم أنها لرئيس الهيئة الأردنية للطاقة النووية، د. خالد طوقان، والتي فسرت من قبل مجموعة من النواب بأنها تحمل إساءة للشعب الأردني، لا يمكن أن تكون أكثر من أداة من أدوات الصراع على مستقبل الطاقة النووية في الأردن.
الدعوة إلى إقالة طوقان تحولت إلى مذكرة نيابية تبناها 43 نائبا، ثم جدل ساخن تصاعد ووصل إلى نية بعض النواب رفع قضايا ضد طوقان في المحاكم، بينما نفى الناطق الإعلامي باسم هيئة الطاقة النووية الكلام المنسوب لطوقان، فيما لم يصدر أي تعليق مباشر من الأخير. ويرتبط هذا الأمر بتحول في الاصطفافات الجديدة بعد انضمام الحركة الإسلامية مع قوى تقليدية محافظة إلى معارضي المشروع النووي.
لمجلس النواب الحق في الوقوف في وجه أي إساءة توجه للشعب الأردني أيا كان مصدرها. ويا ليت المجلس المحترم قام بهذه المهمة على مدى الأشهر الماضية، ويا ليته يواصل هذا النهج فيما تبقى له من أيام. في المقابل، فإن التاريخ الأخلاقي والعلمي، ثم المهني، للدكتور طوقان يمكنه بكل سهولة من الاعتذار للمجتمع الأردني اذا ما صدقت المزاعم بصحة ما هو منسوب إليه، أو حتى في تفسير هذه المزاعم.
لكن الحقيقة الماثلة أن هذه الحملة، وما سبقها وما سنشهده لاحقا، لا تشكل أكثر من أداة من أدوات الدعاية التي تمارس ضد حق الأردن في امتلاك الطاقة النووية السلمية. ولدينا أمثلة عديدة على ممارسة المنهج نفسه في تحويل موضوع معارضة بناء القدرات النووية إلى قضية رأي عام في أكثر من مكان في جنوب العالم؛ أي الحرب بالوكالة نيابة عن أجندات ومصالح لقوى خارجية. وهذا ما يحتاج السادة النواب إلى مناقشته بدل تحويل هذا الملف الوطني الحساس إلى مجرد عراك شخصي؛ وإلى التمييز بين حاجة الأردن المصيرية لحماية الحياة على هذه الأرض بتنويع مصادر الطاقة وتحلية المياه، وبين احتمالات وصول الفساد إلى أي مشروع. فالأمر الأخير لا يمنح أي جهة شرعية انتزاع حق الأردن في بناء قدرات وطنية إنتاجية مصدرها الأساسي الطاقة؛ فالحياة على هذه الأرض مهددة إذا ما استمرت الظروف بهذا المسار خلال ربع القرن القادم، ليس بفعل أضرار الطاقة النووية، بل إذا ما فشلنا في إيجاد بدائل لمنهج انتظار مساعدات الإخوة والأصدقاء.
لا يمكن للأردن الاستمرار في هذا المنهج، ولا يمكن أن تبقى مصائر أبنائنا مربوطة بالخارج. لا يمكن أن تستمر الحياة على هذه الأرض ومحبس المياه مرتبط بالخارج، وكبسة الكهرباء خارج الحدود؛ ولا يمكن أن نستمر في هذا الجدل المجرب والمكرر، والجميع يعلم أن أضرار مفاعل نووي من الجيل الثالث أقل بكثير من أضرار مصنع صابون في الزرقاء.
الجماعات المحلية المناهضة للبرنامج النووي لها كل الحق في الدفاع عن خطابها وتسويقه، ولكن على قاعدة المصالح الوطنية التي يجب أن يحتكم إليها الجميع. وعلينا جميعا الاستفادة مما حدث حولنا؛ فثمة معارضة خارجية تقودها إسرائيل ترفض بكل الوسائل امتلاك أي من دول ما كان يسمى الطوق العربي لأي شكل من أشكال الطاقة النووية. والكثير منا يتذكر الاقتراح الإسرائيلي قبل عامين بأن يتم تخصيب اليورانيوم الأردني داخل إسرائيل لتمنحنا البراءة.
هناك ثلاثة محاور أساسية دخلت من خلالها المعارضة الخارجية إلى الساحات الداخلية لإعاقة بناء القدرات النووية. حدث ذلك في مصر منذ ثلاثين عاما، ويتكرر لدينا اليوم صورة طبق الأصل، وهي: أولا، الهجوم على الطاقة النووية والزعم أنها ملوثة للبيئة، وأن دول العالم تتراجع عن استخدامها، وإثارة المخاوف من وقوع حوادث نووية، والذهاب إلى استحالة التشغيل الآمن للمحطات النووية والتشكيك في الجدوى الاقتصادية. ثانيا، التشكيك في اختيار مواقع المحطات وافتراض الأنشطة الزلزالية، أو التشكيك في الدراسات التي أجريت للمواقع، كما حدث في موقع الضبعة في مصر الذي حوله نظام حسني مبارك إلى استثمار سياحي. ثالثا، التشكيك في نزاهة وأمانة العاملين فى الهيئات النووية، باتهامهم بالعمالة للشركات المنتجة للمحطات النووية دفاعا عن مكتسبات مادية أو غير ذلك. هذه صورة الوضع في مصر قبل ثلاثين عاما، للتأمل وأخذ العبرة فقط.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد