أتيحت لي الفرصة في الأيام الماضية، لقضاء بعض من الوقت مع المفكر اللبناني جورج قرم، على هامش الندوة السنوية التي نظمتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد في بيروت عن "الإعلام ومسيرة الإصلاح في الأقطار العربية".
وكنت قد خبرت المفكر جورج قرم من خلال كتبه، وفي مقدّمتها انفجار المشرق العربي قبل أن يصبح عنوان الكتاب عنوانا واحدا لعدد من الكتب التي تعالج حقبا مهمة من التاريخ العربي المعاصر "انفجار المشرق العربي من تأميم قناة السويس إلى اجتياح لبنان"، وكذلك "انفجار المشرق العربي من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق".
لم يقتصر الحديث على انحباس المشرق العربي والغرب في حلقة مفرغة، أدت إلى تفاقم التعقيدات الجيوسياسية وتعميق أسس الانحطاط ذي الوتيرة المتسارعة، بأن الأمل في تحسين وضع المنطقة يبدو، كأنه ضرب من الخيال، فالمفكر قرم يعيد الحفر في أسباب فشل النهضة العربية ما بين 1825 و1956 وسير المجتمعات العربية نحو مزيد من الانحطاط والوهن والتفرقة أمام التحديات الخارجية.
بحسب ما يرى جورج قرم، فإن ما ينقصنا في الوطن العربي هو الاستقلال الفكري المبني على تراكم معرفي متماسك. فقليلون هم المثقفون العرب الذين يعملون ويفكرون بعيداً عن وطأة الظروف الآنية.
البعض من المفكرين العرب يسعون إلى إبراز أعمال غيرهم من المثقفين العرب وتطويرها، في معظم الأحيان يكرسون جهودهم الفكرية إلى التصدي لعوامل ونظرات ظرفية والى مناقشة آراء الباحثين الغربيين حول العرب والمسلمين، ويستدل قرم على ذلك الانشغال غير المجدي لكتاب صموئيل هانتنغتون "صدام الحضارات"، الذي ينعته جورج قرم بالسخف، في كتابه "انفجار المشرق العربي من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق".
من تلك المعطيات وغيرها يعتقد قرم أن الخروج من عنق الزجاجة يتأسس على منظومة عربية يُبنى عليها نظام إدراكي متماسك برؤية الوقائع والأحداث في سياقها الحقيقي، ويقيم قرم نقدا منهجيا لمعظم الأطروحات والآراء والمنظومات المفاهيمية التي تعتمدها الدوائر الغربية (بما فيها إسرائيل) أو يعتمدها المثقفون العرب والقيادات العربية.
فقد آن الأوان لأن نعي عمق المشكلات التي نتخبط فيها وعجز الرؤى المختلفة، إسلامية كانت، عربية علمانية أم غربية، في تناول مشكلة الانحطاط، أو ما يسميه جورج قرم دينامية الفشل، وفي فهم منظومات الإدراك والعواطف والمصالح، التي تساهم في صنع الحدث، وفي الحالة العربية صنع دينامية الفشل. ذلك تمرين في غاية الأهمية من أجل استكشاف الطريق إلى بناء أنماط تصرف جديدة وخلاّقة تكسر هذه الدينامية القاتلة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن