قبل سنوات ليست بالطوال، كنا نعرف رمضان في فصل الصيف، خبرناه صغارا، وكنا ننتظره بفارغ الصبر؛ لا طمعا في المغفرة لأننا لم نكن قد بلغنا سن التكليف بعد، ولم نكن نعلم في قرارة أنفسنا أن ثمة خطايا قد اقترفناها تستحق كل هذا الانتظار حتى يتسنى لنا التكفير عن خطايانا التي نرزح الآن تحت وطأتها ونحن ما نزال سادرين في غينا.
رمضان بالنسبة لنا كان شهر فراغ السلطة في البيت، مسموح فيه بكثير من المحرمات التي هي ليست بالمحرمات أساسا، كاللعب بعد الإفطار، الذهاب إلى صلاة الفجر برفقة من هم أكبر سنا، وهنا مكمن الانتظار لرمضان؛ عندنا اللعب واللعب وحده هو الذي خلق قيمة لانتظار مجيء الشهر الفضيل.
فبعد يوم صيفي حار ننتظر الأذان بين شدة العطش وقرصة الجوع، نحتار من أين يكون البدء، بالماء أم الطعام ، ومن ثم يختلط الحابل بالنابل ويتساوى الاثنان في الأولوية من دون معرفة بأيهما نبدأ، ولكن كان هنالك ثمة بدء وثمة انتظار وثمة شهر فضيل يسعى الجميع فيه لنيل المغفرة والعتق من النار. ولكن ما الحال اليوم وكيف هو واقع شهر رمضان في حياتنا؟ سؤال أشغلني وأعادني إلى الوراء، عندما كنا صغارا نقف بالعشرات في حارة الكلالدة وعلى باب القلعة في الطفيلة ننتظر أذان المغرب، وطلقات مدفع "الشرائط" من فوق الجبل التي تعلن انتهاء يوم الصيام.
ونحن بدورنا نعلن انتهاء يوم الصيام بقذف المستودع المصنوع من اللوح الزينكو، الذي كان يستخدم لتخزين جفت الزيتون من المعاصر المجاورة، بالحجارة حتى نؤكد إن يوم الصيام قد انتهى وان هنالك رمضان يتجاوز المسلسلات التلفزيونية وأن ثمة قيما إيجابية يعيشها الناس في عالم يشهد تغيرا في القيم، وأين يقف الناس من قصة العبادة والطاعة في الشهر الكريم أمام الكم الهائل من الإنتاج التلفزيوني الذي يخصص لشهر رمضان الكريم والذي يتراوح ما بين الرديء والجيد. نلمس أن رمضان، شهر التوبة والعبادة لم يعد كذلك، بل أصبح شهر متابعة التلفزيون التي تستمر من قبل أذان المغرب وحتى أذان الفجر.
ألم يجر تغيير في القيم التي نعيشها نحو مزيد من السلبية والانسحاب؟ وهل القيم تتغير بتغير المعايير التي نضعها لها؟ من الثابت إن القيم التي نعيشها في عالم اليوم تعيش مرحلة من النكوص والتخلي عن مفهوم القيم الايجابية لصالح القيم السلبية التي لا تؤسس لمجتمع وبيئة وأسرة صالحة.
فمن المفترض أن يكون شهر رمضان منعطفا مهما في حياتنا الاجتماعية نحو التغيير للأفضل، وتحمّل أعباء المسؤولية الاجتماعية، فالمجتمع يعاني من مشاكل وأزمات قديمة وجديدة، والمطلوب هو أن نحدث تغييراً حقيقياً في مسيرتنا الاجتماعية بتقديم كل فرد من أفراد المجتمع ما يستطيع من خدمات وطاقات ومواهب لتنصهر في النهاية في بوتقة المجتمع، لننير الدرب كي ينمو المجتمع نمواً حقيقياً في مختلف المجالات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن