في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات انتشرت أغنية وسط موجة الغناء الثوري الفلسطيني التي طالما حركت وجدان الملايين من العرب، تقول الأغنية وهي تعاتب بشكل غير مباشر الرئيس الراحل أبو عمار إن كل شيء يعجبني بك الا التكتيك العربي أي المناورة بين الأقطاب العربية والدولية، إن شدوا ترخي وإن أرخوا تشد، وكلما تساءلنا عن شيء قالوا تكتيك، فطالما وصف الرئيس الراحل بأنه أبو التكتيك في النظام العربي التقليدي.
 في النظام العربي الجديد بدأت تتغير هوية القوى الثورية، وهوية النظام الرسمي، وها هي القوى الثورية الجديدة والقديمة بهويتها السياسية الاسلامية تتسابق في الصعود الى السلطة، وقد ضمنت ما يسمى استراتيجيا وليس تكتيكيا الإقليم القاعدة الذي يوفر لها الإرادة والقدرة على تغيير لعبة التكتيك العربي بجذورها، فنحن أمام نظام عربي جديد بدأت معالمه تتبلور، ولكن هذه المرة من المفترض أن تتغير الاستراتيجية والتكتيك معا، وإلا ما فائدة الثورة وما جديد الثوار.
 الزعيم الفلسطيني خالد مشعل الذي ينتمي فكريا وتنظيميا للنظام العربي الجديد، رغم ان خميرته السياسية تشكلت في السابق، يصر على استخدام أدوات النظام التقليدي، وينتظر فرصة أخرى للتسوية ويتكلم بلغة جديدة حول مستقبل للمفاوضات بالاعتماد على تغيير في المعادلات الدولية، وبالتحديد يراهن مشعل على عودة الديمقراطيين  الى الإدارة الأميركية وفوز الرئيس اوباما بولاية جديدة، وأن ذلك سيقدم منظورا جديدا للتسوية، لذا علينا القبول بهذا التكتيك العربي الجديد والانتظار وتمرير كل الأفعال التي تمارسها اسرائيل بتغيير الوقائع في المدن الفلسطينية المحتلة والعودة الى استكمال الجدار العازل واستمرار مساعيها الدولية للتطبيع الاقتصادي والسياسي من قبل العالم مع واقع المستوطنات.
  على مدى ثلاثة عقود دخل النظام العربي التقليدي غرفة  تخدير تاريخية، في انتظار ما تأتي به صناديق الاقتراع في الديمقراطيات الغربية، وتحديدا في الرئاسة الاميركية في عهود الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، دوما كان التكتيك العربي اصبروا وانتظروا الولاية الثانية للرئيس، سيكون الرئيس وإدارته اكثر تحررا من الالتزامات الانتخابية ومن ضغوط اللوبي الصهيوني، واكثر قدرة على الحسم، بل قيل أكثر قدرة على إدراك العدالة، حدث ذلك منذ رونالد ريغان وصولا الى جورج بوش الأخير، ونتذكر حجم الرهانات التي عقدت على ولاية جورج بوش الابن الثانية وحجم الوعود التي قطعتها تلك الإدارة بعد احتلال العراق حتى ان الأطراف الفاعلة في النظام العربي التقليدي كانت تتمنى ان يعود الجمهوريون من جديد الى الرئاسة في واشنطن.
  صحيحح ان النظام العربي الجديد الذي يتبلور في هذا الوقت سيشهد حتما تغيرا في القيم السياسية، ولكن المعضلة الحقيقية انه لا يجد أمامه إلا أدوات النظام التقليدي لممارسة السياسة؛ ثمة وجهة نظر لديها الكثير من الوجاهة بأن تركيبة النظام العربي الجديد ستكون لصالح القضية الفلسطينية سياسيا اذا ما ضمنا سلامة الموقف وعافيته في القاهرة واذا ما حسمت الأمور في دمشق لصالح الثورة، فيما ستلجأ حركة حماس الى عملية تموضع جديدة داخل النظام العربي الجديد، ليس على حساب ايران بالكامل كما يتوقع البعض ولكن بتكتيك جديد ضمن المعادلة العربية والدولية المختلفة التي تركن الى تغيرات في مواقف النظام الدولي اكثر من الرهان على التحولات الذاتية، المهم كل شيء يتغير الا التكتيك العربي! 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد