مع إقرار مجلس النواب التعديل الأخير على قانون الانتخاب، انتهى الفصل الأخير من هذه المناورة السياسية بزيادة مقاعد القائمة العامة، وتثبيت الصوت الواحد. وبهذه النتيجة، يقف الأردن اليوم على عتبة نهاية مرحلة في السعي نحو الإصلاح السياسي، شهدت القليل من الإنجازات السياسية والتشريعية، والعديد من الخيبات التي سيدفع ثمنها المجتمع والدولة معا، وسط بيئة إقليمية تشهد تحولات سريعة وجذرية، معيار الاستمرار والاستقرار فيها على المدى الطويل هو التجذير الديمقراطي والمنافسة في الكفاءة الديمقراطية.
تُفهم تضاريس المرحلة المقبلة وأهم ملامحها من خلال فهم خرائط المشاركة والمقاطعة في الانتخابات المنتظرة نهاية هذا العام أو بداية العام القادم على أبعد تقدير. القراءة المتأنية لتحولات الأسابيع الأخيرة تميل إلى أن الحركة الإسلامية سوف تذهب في نهاية اليوم إلى صناديق الاقتراع، وتشارك في الانتخابات، فيما ستنحصر المقاطعة في نخب إصلاحية تقليدية ستجد نفسها أمام موقف صعب من التفسخ وغياب الوفاق الداخلي، وتحديدا النخب الإصلاحية المسيسة، إلى جانب أنماط أخرى من المقاطعة التي من المتوقع أن تعلنها بعض الحركات الشعبية، والتي ستشكل مفاجأة سياسية واجتماعية في بعض المحافظات، على الرغم من أن تلك المقاطعة لن تؤثر في سير العملية الانتخابية، لكنها ستنطوي على متغيرات خطيرة ومهمة على المدى البعيد.
أفرزت هذه المرحلة حالة من الإدراك المتنامي وسط قواعد شعبية عريضة ونخب جديدة أفرزها الشارع بحالة فقدان الوزن في الحياة العامة، وأن مسار الإصلاح ومكافحة الفساد مربك ويزداد غموضا، بينما تتنازع هذا المسار إرادات وأجندات متعددة، معظمها يتعارك على حساب برنامج الإصلاح الوطني الديمقراطي المنشود. هذا الإدراك مصحوب بوعي نوعي يتراكم يوماً بعد يوم، ويضيف المزيد من الجرأة والقدرة على إحداث الفرق على الأرض. ولعل الترجمة الفعلية لهذه المفارقة تبدو في الطريقة التي تصور فيها مؤسسات الدولة وأذرعها الإعلامية وقوى المعارضة التقليدية على حد سواء، الفئات المعارضة لقانون الصوت الواحد، ومحاولة حصرها في الحركة الإسلامية وجبهة الإصلاح التي يقف على رأسها رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات، متجاهلة جل القوى الاجتماعية والسياسية. في المحصلة، يمكن رصد خلاصة هذه المرحلة فيما يلي:
أولاً: لا يوجد قرار وطني مستقل مكفول بالإدارة والقدرة على إجراء إصلاحات سياسية جذرية؛ يوجد خطاب حول الإصلاح السياسي التدريجي والبطيء الذي يعيدنا إلى رؤية رئيس الوزراء السابق الدكتور معروف البخيت التي تذهب إلى أردن ديمقراطي بعد ربع قرن على أقل تقدير.
ثانياً: إن جوهر الغموض السياسي الذي يلف مستقبل الإصلاح السياسي يبدأ وينتهي في دائرة العلاقات الرسمية الناظمة للعلاقات بين مكونات المجتمع الأردني، والتي يرجعها التعريف الرسمي إلى مستقبل علاقة الدولة مع الأردنيين من أصول فلسطينية التي يجب أن تبقى حسب التعريف الرسمي مجمدة وغير محسومة حتى تحسم القضية الفلسطينية، وتحديداً قضايا الحل النهائي.
ثالثاً: إن المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية ستطول؛ فإذا كانت التحولات الثورية لا تطيق أن تجاوز المرحلة الانتقالية عامين حتى تستقر ممارسات ديمقراطية ثابتة، فإن النموذج الأردني في الانتقال الديمقراطي السلمي أخذ في تجاوز النصف الثاني في العقد الثالث من عمر التحولات الديمقراطية، وهي مرحلة طويلة ومرهقة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ومرشحة قريباً أن تكون المصدر الأساسي لتهديد الاستقرار الداخلي.
رابعاً: إذا كانت الدولة الرسمية تمارس الغموض والتناقض على طريقتها، فإن الحركة الإسلامية؛ التنظيم السياسي الأكثر كفاءة وتنظيماً، يمارس الغموض السياسي وتناقضاته بطريقته أيضاً. وفي الخلاصة، تثبت هذه المرحلة أن الحركة الإسلامية هي الأقرب في المنهج للطريقة التي أدارت بها الدولة مرحلة التحول الديمقراطي الطويلة، إذ كررت الحركة الإسلامية مواقفها التاريخية التقليدية في الانسحاب أو اتخاذ مواقف محايدة في اللحظات الحاسمة الفاصلة.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
pedia.tagepedia.org
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد