حالة استقواء غريبة مارستها قوات الدرك بحق العشرات من الأيتام ومجهولي النسب في اعتصامهم الذي نفذوه نهاية الأسبوع أمام رئاسة الوزراء، حينما لجأت إلى فك الاعتصام بالقوة، على الرغم من مشاهد الاعتصامات والاحتجاجات اليومية. في المقابل، وفي خطوة أكثر غرابة، لجأ هؤلاء الشباب الصغار في اليوم التالي إلى الرد على الاستقواء الأمني بالاستقواء بالسفارة البريطانية، بالاعتصام أمامها والتهديد بطلب اللجوء الإنساني إلى المملكة المتحدة.
في الحالتين ثمة استقواء يجلب الكآبة. ففي الحالة الأولى، فشل في تفريغ أزمة صغيرة بحجم اعتصام عشرات من الشباب الصغار الأيتام ومجهولي النسب، بغض النظر عن مدى شرعية مطالبهم. ومن قال إن الآلاف من الاعتصامات والأعمال الاحتجاجية التي دخلت الإدارات الحكومية على مدى عامين في تسويات وتفاهمات لتفريغها، كلها لديها مطالب شرعية؟ وهل بالفعل وصلت الأجهزة الأمنية ووزارة التنمية الاجتماعية إلى حالة من العجز مع هؤلاء الشباب الصغار إلا الإفراط في استخدام القوة؟ وفي الحالة الثانية، هل وصلت حالة هذه الفئة الاجتماعية المحدودة إلى حد الاعتصام أمام سفارة أجنبية والمطالبة بما يسمى اللجوء الإنساني؟ ومن قادهم إلى هذا السؤال؟ وبأي وسيلة وكيف تم ذلك بين ليلة وضحاها؟
لقد تراكمت أزمات إدارة الأنشطة التي تمارسها وزارة التنمية الاجتماعية خلال الفترة الماضية؛ من أزمة دور المعاقين إلى أزمة دور الأيتام، وبات من ضروري مراجعة هذا القطاع برؤية جديدة وبمفاهيم مختلفة. فما تمارسه هذه الوزارة من أنشطة وفعاليات ومهام لا يمت بصلة إلى المفهوم المعاصر للتنمية الاجتماعية، وقد حان الوقت للحديث عن منظور جديد للتأمينات الاجتماعية والرعاية الاجتماعية، إذ تم تسييس هذه الوزارة خلال السنوات الأخيرة بطريقة أفرغتها من مضامينها ووظائفها المهنية.
بالعودة إلى ملف الأيتام، فإن المجتمع الأردني لا يعاني من أزمة فعلية في هذا الملف، ولا توجد كلفة عامة حقيقية مترتبة على الدولة جراء خدمات اجتماعية لهذه الفئة، إذ ما يزال المجتمع، بفعل القيم الاجتماعية وقيم العائلة والأسرة الممتدة والقيم الدينية، هو الكفيل الحقيقي للأيتام، أما الرعاية الرسمية فلا تشكل من الجمل أذنه، فيما لا يعترف المجتمع المدني وتنظيماته المترفة بهذه الوظائف باستثناء بعض المبادرات المحدودة، وعلى رأسها مبادرة "صندوق الأمان لمستقبل الأيتام" التي يرعاها مكتب الملكة، والتي تقدم أنموذجا مختلفا في هذا المجال.
أما الموضوع الأكثر حساسية، والذي أثار إشارات وتعليقات غير إنسانية فيها روح عنصرية لا تليق بالمجتمع الأردني، عبر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، فهو مجهولو النسب الذي حاولت أطراف رسمية التركيز عليه بشكل مباشر، بهدف تقليل تعاطف المجتمع الذي عادة ما يرتبط مع أي مسألة تمس الأيتام. فقد حان الوقت للحديث حول هذا الموضوع بوضوح أكثر، وإعادة تعريف هذه الفئة بأنها ضحية المجتمع ومسؤولية الدولة.
يؤكد هذا النمط من الأزمات الصغيرة أننا لم نتعلم الكثير من تجربة السنوات السابقة ومن إدارة الناس في الشارع ومن خبرة تفريغ الاحتجاجات الشعبية بأقل الأثمان.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد