رغم الجهود الكبيرة التي تبذل للحد من ظاهرة العبودية من خلال سن تشريعات وقوانين لحماية الإنسان من العبودية بجميع أشكالها، لكن اتضح بعد ذلك خلال النصف الثاني من القرن الماضي أن العبودية انتشرت بصور وأشكال جديدة وان الأشكال التقليدية لتلك القضية ما تزال موجودة حتى اليوم، مما حدا بالجهود الإنسانية التطوعية والرسمية على حد سواء لتكثيف جهودها للقضاء على العبودية بأشكالها وصورها الحديثة والتي تعرف
بـ "الرق المعاصر".
فالدوافع الاقتصادية والاجتماعية، والتطور الاقتصادي الحالي وانعكاسه على الحياة الاجتماعية تحمل في طياتها تجديدا للعبودية في أشكال وصور أخرى تحددها الأوضاع الاقتصادية والظروف الاجتماعية والوعي المرتبط بحقوق الإنسان، لذلك فهي قابلة للتجدد والظهور بأنماط متغيرة، طالما أن الفقر والجهل باقيان وحقوق الإنسان تنتهك، ولذلك يجب علينا مجاراة تجددها والسعي للحد من انتشارها وانتهاكاتها من خلال تقديم الضمانات والتأمينات الاجتماعية للقائمين بهذه الأعمال والحرص على تحديث التشريعات والقوانين للمحافظة على هذه الضمانات.
الاعتقاد السائد أن نظام العبودية قد ولى من دون رجعة، ولكن حقيقة الأمر على أرض الواقع تشير إلى عكس ذلك، فنظام العبودية في عصر ما بعد الحداثة يؤكد تزايد أعداد نظام استعباد الناس بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرارا، فدراسة إسبانية صدرت حديثا تشير إلى أن هناك عددا يتراوح بين 14 و25 مليون شخص يعملون حاليا في ظل نظام عبودية، وهو ما يفوق عدد العبيد الذين أجبروا على ترك مواطنهم في أفريقيا والانتقال إلى الأميركتين خلال القرن التاسع عشر. جاء الكشف عن هذه الأرقام خلال دراسة طبعت في كتاب يحمل عنوان "الوظيفة والعمل وأوجه التفاوت في الصحة: رؤية شاملة".
وينطلق الكتاب من تقرير أعد في عام 2007 من جانب لجنة العوامل الاجتماعية بمنظمة الصحة العالمية، ويبرز كيفية تأثير ظروف العمل على إحداث تفاوتات في قطاع الصحة بين العاملين في مختلف أنحاء العالم. وأوضح جوان بيناتش أحد مؤلفي الكتاب في تصريحات صحافية أن "ما بين 14 و25 مليون شخص يعملون في ظل منظومات عبودية، وهي ظاهرة غير ملحوظة تظهر في مجالات شديدة الاختلاف مثل شبكات الدعارة الأوروبية وشركات المواد الخام".
مثال على هذا الوضع، الذي يملك تأثيرا هائلا على الصحة، عمليات جمع محصول الكاكاو لمصلحة شركات متعددة الجنسيات في دول مثل كوت ديفوار، حيث يعمل أكثر من مائة ألف طفل من دون أية حقوق، أو من يخيطون الكرات لشركات عالمية أو لأحداث كبرى تتعلق بكرة القدم.
ويرى الخبير الإسباني أن الجميع اعتادوا على التفكير في الصحة من وجهة النظر البيولوجية البحتة وتبعا لأسلوب حياة كل شخص، بيد أنه لا يجب تناسي أن العوامل الاجتماعية مثل طبيعة المسكن ومستوى المعيشة والعولمة وظروف العمل أو الوظيفة تؤثر جميعا على الصحة وبشكل مباشر.
تفاوتات الصحة الناتجة عن ظروف العمل تتصل بصورة مباشرة بتفاوتات أخرى اجتماعية مثل تباين الثروات أو الإسهام السياسي أو مستوى التعليم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن