تشكل الأعياد مناسبة لا يلتقي بها الأقرباء والأصدقاء وحسب، بل فرصة تنقل السياسة من النخب الى الناس. وفي السنوات الأخيرة لم يعد الناس يكتفون بتبادل التهاني في الأعياد بل جعلوا من هذه المناسبات فرصة صادقة لتفحص نبض الرأي العام. وبينما تعد أكثر القضايا التي يتم تداولها مفتاحا لخريطة اهتمامات وأوليات المجتمع؛ فإن الطريقة التي يتم من خلالها تناول هذه القضايا هي المؤشر الحقيقي على مزاج الناس وشعورهم العام.
تُرى في ماذا سيتحدث الأردنيون هذا العيد، وما هي أهم القضايا والأولويات التي ستأخذ أكبر مساحة من المجال العام للعيد، وما هي أهم المؤشرات الدالة على مزاج الناس وشعورهم العام؟ من الواضح أن ثلاث قضايا أساسية ستسيطر على نقاشات العيد ليس وسط العامة بل في أوساط النخب أيضا، وهي أكثر القضايا التي تشغل بال الأردنيين. وللأسف في القضايا الثلاث ثمة مشاعر سلبية وأحيانا متناقضة يصحبها شعور بالعدمية وعدم الجدوى.
سؤال العيد الكبير؛ هل ستجرى الانتخابات هذا العام، وهل بالفعل قضي الأمر، وستذهب البلاد إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى بقانون انتخاب مشوه لا يحقق الحد الأدنى من التوافق الوطني؟ وترى ماذا تعني كل هذه القدسية التي تضفيها الحكومة على الصوت الواحد في الوعي الشعبي؟ سؤال الانتخابات يذهب الى إعادة تقييم شعبي لمسألة التسجيل في قوائم الانتخاب الجديدة، وسينال الخطة البديلة إذا ما استمرت حالة الإحجام والعزوف عن التسجيل، فما هو البديل اذا لم يصل عدد المسجلين الى حاجز المليونين؟! المهم أن مؤشرات نقاشات العيد حول الانتخابات تؤكد استمرار حالة الغموض، فالكل قلق على المستقبل، ولا يعلم ماذا سيحدث في الغد القريب.
حالة الغموض والالتباس والقلق تنسحب للقضية الثانية التي ستكون على أولويات الأردنيين في العيد، وتذهب للعمق الاقتصادي للقواعد الاجتماعية العريضة التي أخذت تدخل في دوامة الأسعار بعد رفع فاتورة الكهرباء بانتظار الدخول في موجات جديدة من الارتفاع، والسؤال الاكثر قلقا؛ ماذا بعد اختبار قوة صدمة الكهرباء الأولى؟ وهل ستستوعب الصدمات القادمة والتي يرتبها قرض صندوق النقد الدولي الذي حصلت عليه المملكة مؤخرا؟ الأوضاع الاقتصادية حاضرة بقوة في النقاش الشعبي ولا تتوقف على ارتفاع الأسعار، وتشكل دليلا إرشاديا لسلسلة من مصادر الإحباط في إدارة الشؤون المحلية. وعلى رأسها غربة القانون وتراجع قدرة الدولة على الردع العام وانتشار الجرائم والعصابات المنظمة وغير المنظمة. كل ذلك وغيره سيسيطر على مزاج النقاشات العامة الجماعية للناس، ولكن حينما ينفض النهار ستبقى فاتورة رمضان وحسابات العيد هي الدالة الكبرى التي تحدد مسار السياسة اليومية التي تحرك الأفراد وتقف وراء قراراتهم وقناعاتهم.
قلق الأردنيين يمتد الى الحدود الشمالية؛ الأولوية الثالثة، حيث الأوضاع الملتهبة والمفاجآت التي لا تتوقف في الأزمة السورية؛ في الكثير من أرجاء البلاد ثمة تعاطف شعبي أردني مع اللاجئين السوريين لم نشهده مع اللاجئين العراقيين على سبيل المثال، ربما لطبيعة الظروف المادية للسوريين وفي طبيعة الأزمة، وفي بعض المناطق لكل أسرة قصة مع اللاجئين السوريين، وبعيدا عن الإعلام حوّل الأردنيون شهر رمضان إلى مهرجان خيري صامت رغم العوز وقلة الحيلة، لا يهم الأردنيون من يحكم في دمشق، لكن همهم الكبير اليومي أن لا نخذل مستغيثا، وأن لا تصل النار إلى باب الدار.
السياسة في العيد لها مزاج آخر فيها الكثير من التزييف والمجاملات، وفيها الكثير من الصفقات والتفاهمات على مستوى النخب، وفيها الكثير من الصدق الشعبي والحفر العميق في الأزمة المحلية على مستوى الناس، أولئك الذين يصنعون السياسة في لحظة الحسم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد