في العالم العربي، ثمة دعاية سياسية ذات جذور تاريخية عميقة، ضخمت من دور القبيلة أو العشيرة في الحياة السياسية، وتغافلت بشكل مخطط له أو بدون تخطيط عن دور العائلة، والمقصود هنا العائلة السياسية المكونة من الأب والأم والأبناء والبنات والأحفاد والأنسباء والأصهار، وأحيانا أبناء العم؛ أولئك الذين تتوفر لهم مظلة سياسية اجتماعية للحصول على الامتيازات والمناصب العامة والثروة؛ أي تجميع عناصر القوة واستخدامها، وذلك بالتوارث وبالهندسة السياسية والاجتماعية التي تعمل لحساب مجموعة صغيرة تمدها بعناصر القوة والاستمرار في النفوذ.
سمعت مرة وصفا بأن هيمنة العائلة السياسية تشبه لحظة الهيمنة الإمبريالية في التطور الرأسمالي، على اعتبار أن القبيلة أو العشيرة السياسية تمثل الموازي للهيمنة الرأسمالية. هذا الوصف قد لا يتفق عليه الجميع من ناحية علمية، لكن الأمر الذي ستثبته البحوث إذا ما وجدت جدية في التقصي، يبدو في قوة هيمنة العائلة أضعاف المرات مقارنة بهيمنة العشيرة السياسية، فيما يشهد الكثير من المجتمعات العربية، مثلما يحدث في المجتمع الأردني، ثقافة تستر عميقة، تقبل العقاب والذم الجماعيين، وترفض التوصيف الدقيق للظواهر الاجتماعية السياسية الناقدة والتخصيص لمصادر البلاء.
مارست العائلات السياسية أدوارا عديدة في مجتمعات غربية وشرقية. وهناك عائلات مشهورة ارتبطت تاريخيا بتحول الإقطاع إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، وحافظت على حضورها أحيانا، لكنه تحول إلى حضور رمزي مع التقدم الاجتماعي والسياسي. وفي القرن العشرين، ظهرت عائلات سياسية حافظت على حضورها بفعل الإنجاز والشعبية السياسية، أو النفوذ الاقتصادي، ولكن استمراريتها لم تشكل أكثر من موجة سياسية محدودة في معظم الأحيان، مثل عائلة كينيدي وعائلة بوش في الولايات المتحدة. وقد طورت الحياة الديمقراطية في الغرب آليات تمنع تلك العائلات من التعدي على الديمقراطية. في المقابل، وعلى سبيل المثال، تبدو في لبنان الصورة أوضح في قوة هيمنة العائلات السياسية واختطافها للحياة السياسية منذ عقود، إذ لا يمكن الحديث عن النخبة الحاكمة أو النخبة الاقتصادية بدون آل فرنجية وآل الجميل وآل شمعون وبري والحريري. وحسب الأكاديمي اللبناني جورج قرم، فإن تحالف وصراع عائلات صغيرة صعدا أمراء الحرب والتجار الكبار، ما حال دون أن يكون لبنان دولة؛ حينما ضربوا السيادة والعدالة والمواطنة في العمق. ولهذا، أطلق قرم دعوته إلى "نفي أمراء الحرب والمال وجميع أفراد عوائلهم إلى خارج الوطن إلى أبد الآبدين".
الهيمنة التي تمارسها العائلة الصغيرة أكبر من هيمنة القبائل والعشائر التقليدية؛ فالأولى تملك قوة سياسية أكبر نفوذا، وعادة ما تكون ذات نفوذ اقتصادي، وعلاقات عابرة للنخب، وتحالفات عابرة للقبائل والعشائر والطوائف، ويلعب فيها الأنسباء والأصهار وعلاقات المصالح المتبادلة دورا مركزيا. ولا يستغرب، على سبيل المثال، ما تردد مؤخرا في الأخبار عن الجناح العسكري لعائلة لبنانية في الصراع على مخطوفين.
في الأردن، ما تزال قوة العشيرة السياسية حاضرة، ولكنها قوة سالبة من ناحيتين: الأولى، من منظور التنمية السياسية؛ إذ وظفت للعمل على حساب فكرة الدولة وسيادتها، ومفهوم العدل السياسي على الرغم من دور الرابطة العشائرية وقوتها ودورها الإنمائي في مرحلة تأسيس الدولة. والناحية الثانية، أنها فكرة مزيفة، وتحديدا في العقود الأخيرة، حينما لعبت العائلات السياسية بأعصاب الدولة والمجتمع باسم العشيرة.
للأسف، ثمة ظاهرة تنمو معاندة للتطور الاجتماعي والسياسي في المرحلة الانتقالية؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه العشائر ضمورا اجتماعيا، تنمو سياسيا لمصلحة العائلات الصغيرة ونخبها المعروفة بالأسماء، في مرحلة الانتقال كلما ازداد تركيز القوة السياسية وازداد التوريث السياسي وازداد احتكار الثروة والقوة لصالح العائلات وتحالفاتها. انتبهوا إلى مفتاح الإصلاح، فهو يحاول في الباب الخطأ.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد