من يشتغل في صناعة النقد الأدبي يدرك تماما أن أهم الروايات العربية التي عالجت الواقع السياسي العربي عموما والمصري على وجه التحديد، هي رواية المبدع المصري صنع الله إبراهيم "اللجنة". وتحيل الرواية الطابع المؤسساتي والرسمي لهذه اللجنة على الرغم من ادعائها الاستقلالية عن السلطة. فاللجنة -هنا- بمثابة جهاز مخابرات سرية، تقوم باستنطاق المواطنين الغيورين على بلدهم، وتطرح عليهم مجموعة من الأسئلة والأبحاث لمعرفة هويتهم وحقائقهم الذهنية والوجدانية. وبالتالي، فاللجنة نظام للمحاسبة والمكاشفة السياسية، ورمز للتعذيب الإنساني، واستمرار للسجن ومصادرة لحقوق الإنسان.
ويسترسل الراوي في سرديته بمثوله أمام أعضاء اللجنة الذين أهانوه كثيرا بأساليب وقحة وبشعة، مستفسرين منه عن كثير من المسكوتات السياسية والأخلاقية. وكانت هذه اللجنة ذات صبغة عسكرية على الرغم من مظهرها المدني الذي يتجلى في بعض الشخصيات، إلا أن هذا المظهر سرعان ما ينكشف في المكاشفة المعرفية الثانية.
لقد أحس الراوي بذعر كبير وهو أمام اللجنة التي طلبت منه أن يرقص ويُظهر عورته، غير مبالية بمبادئ حقوق الإنسان. وظلت تحاوره وتستخبره في أمور خطيرة جدا لها علاقة بالأخلاق والسياسة والمعرفة العلمية. ويحاول الكاتب أن يجيب مُظهرا براعته في الكلام وتفوقه في الجدال الاقتصادي والسياسي، وذلك بتشريحه للمجتمع العربي الذي انتقل من القطاع العام إلى سياسة الانفتاح والتنويع والتطبيع.
وبعد ذلك، طلبت منه اللجنة أن يهيئ بحثا عن ألمع شخصية في العالم العربي. ولقد تردد الكاتب كثيرا، وبعد ذلك اختار أن يكون موضوع دراسته هو التنقيب "في سيرة الدكتور" بطريقة جديدة، تتداخل فيها المناهج والعلوم. ولقد توصل إلى حقائق ونتائج خطيرة، مما جعل اللجنة تتدخل لتوقف هذا البحث الذي أثار كثيرا من المشاكل للجنة؛ مما أودى بالكاتب المحاصر ليتخلص من مراقبه "القصير" الذي كان ينغص عليه حياته ويراقبه في أي حركة يقوم بها. وكان يعد عليه أنفاسه التي تخرج من صدره ولو كان يقضي حاجته الطبيعية. والأدهى من ذلك، أنه كان ينام معه إلى جواره في سرير واحد كأنهما في سجن من نوع خاص.
تلك المقاربة التي عالجها صنع الله إبراهيم تشكل مدخلا لفهم الواقع السياسي العربي في مجمله، وتجعل منا نقف مطولا أمام بعض المبادرات التي تطرح هنا أو هناك لمعالجة بعض المواقف السياسية. فهاجس التغيير الذي يستشرفه المثقف العضوي يقتضي التقاطه وتحليله للبناء عليه في صياغة المستقبل، وهذا الاستشراف يستند إلى حركة المجتمع نحو الأمام وليس بتقييد حركة المجتمع ولجم مسيرته التي تقتضي بالضرورة تجاوز الأشكال التقليدية التي تنصب نفسها كمنظومة حكيمة تستطيع وضع تصورات للمستقبل وهي في حقيقتها ذاتها منخرطة في مشروع تعطيل الإصلاح والتقدم نحو المستقبل، بحكم ضعف بنيتها المعرفية ابتداء، إلى جانب عدم الحضور الجماهيري من ناحية أخرى.
لذلك، ينهي صنع الله إبراهيم روايته بجملة "وبدأت آكل نفسي".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن