في لغة عالم اليوم، ثمة الكثير من المفاهيم التي تحمل في ثناياها أوجها عدة للتعريف؛ بحيث ينسحب المفهوم على كثير من الأشياء بخلاف القصد الذي وجد أصلا له، وتم تداوله بين الناس. ومن ضمن تلك المصطلحات التي لاقت رواجا في السنوات العشر الأخيرة مصطلح "المرتزقة"، الذي ارتبط بشكل مباشر بالحروب الأخيرة التي تخوضها الولايات المتحدة، خاصة عقب حملتها على ما يسمى "الإرهاب" المفترض. حيث ترددت الأنباء وتوالت المقالات حول كيفية استغلال الإدارة الأميركية للمستوى المعيشي المنخفض لمواطني الدول الفقيرة، وبشكل خاص مواطني أميركا اللاتينية، مقابل مردود مادي كوسيلة للقيام بأعمال تنتهك حقوق الإنسان وحقوق أولئك المرتزقة في الوقت ذاته.
وفي العراق على وجه التحديد، كشف الكثير من التقارير عن الدور السري الذي يلعبه أولئك المرتزقة في تنفيذ مخططات الإدارة الأميركية، من أجل إشعال نيران حرب طائفية تقضي على المقاومة وتلهيها عن مهاجمة قوات الاحتلال، فضلاً عن كونها ذريعة للبقاء في الدولة واستمرار السيطرة على مواردها واستغلالها.
ولغويا تعني كلمة "المرتزقة" ملتمسي الرزق. لكن على المستوى الاصطلاحي، ومع اتساع دوائر التسلط والنفوذ في العالم، وتنوع وسائل الحصول على الرزق، دخل المصطلح في النفق المعتم للتجارة غير المشروعة، وأصبح مفهوم المرتزقة يترادف مع مفهوم شذاذ الآفاق، وقطاع الطرق. فالمرتزقة هم أناس لا ديّة لهم، يمتهنون القتل كوسيلة للرزق، ويتفننون في احترافه لجني المزيد من المال.
وقد أصبح لهؤلاء مؤسسات ووكلاء وهيئات في عدد كبير من دول العالم. ولكن مع التغير في المفهوم، ولد نوع جديد من المرتزقة ينتشرون في مختلف القطاعات في المجتمع؛ فثمة مرتزقة في كل مفاصل الحياة التي نشهدها اليوم. إذ هنالك مرتزقة في الإعلام ومرتزقة في السياسية، وهم أكثر خطورة من أولئك الذين يقدمون أرواحهم الرخيصة مقابل حفنة من الدولارات. وبالتالي لابد لأي حركة إصلاحية تنشد المستقبل، وتريد أن تحقق مستقبلا واعدا لجماهيرها، أن تلتفت إلى هذا النوع من المرتزقة الجدد الذين يظهرون في أثواب مختلفة في محاولة منهم للفت الأنظار عنهم على أنهم جزء أصيل من حركة الشعب والعكس هو الصحيح.
لذا، فدلالات المفاهيم تتغير بحسب الغرض الذي تؤديه، ولعل ما حدث في العالم العربي مؤخرا يؤكد أن ثمة حضورا قويا لهذا النوع من المرتزقة، وأنه يمتلك أدوات تضمن حضوره في المجتمع وفي الإعلام وفي السياسة، إلى جانب الدعم الدولي في أحيان كثيرة من خلال شبكة المصالح التي ينسجها مع أطراف المعادلة الدولية التي تسعى إلى تفكيك المجتمعات. لذلك وجب التحذير من هذا النوع الجديد من المرتزقة الجدد، الذين يساهمون في تشويه الحقائق والسعي الدؤوب إلى تحقيق المكاسب الخاصة مقابل حفنة من الدولارات، وهم على الاستعداد الدائم للانقلاب على أي مرحلة طالما أن هنالك من يدفع لهم!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن