إذا أردت أن تعرف القاهرة فلا تبدأ بمثقفيها، تلك وصية الصديق الشاعر الدكتور عزالدين المناصرة للشاعر الكبير الراحل تيسير السبول عندما كان ينوي زيارة مصر،  بقية تلك الوصية ترد على ذهني كلما حضرت إلى القاهرة، ولكن لم ألمس أهميتها الكبيرة سوى هذه المرة، فثمة قاهرة جديدة تتشكل من جديد، فبالأمس وُقع في القاهرة الجديدة اتفاق ينهي الصراع الفلسطيني الفلسطيني الذي دام طويلا وكلف الشعب الفلسطيني الكثير ولم يستفد منه سوى  الاحتلال الإسرائيلي!
 وهذا الاتفاق لم يكن ليتم لولا أن ثمة تغييرا بنيويا قد طرأ على الموقف المصري ما بعد ثورة 25 يناير من قضية الصراع الفلسطيني الفلسطيني، وأن هذا التغيير بالضرورة يخدم الفلسطينيين في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يسعى بكل الوسائل لشل أية محاولة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، ولكن ما علاقة هذا بوصية عز الدين المناصرة لتيسير السبول؟
تحفل الثقافة الشعبية المصرية بكثير من المفردات والمفاهيم التي تستطيع أن تعبر عن الواقع السياسي والثقافي من دون المرور من بوابة المثقفين الذين يبدون في أحيان كثيرة متشككين مأزومين وغير متفائلين، وفي أحيان كثيرة متزلفين للسلطة بطريقة يصعب فهمها. وبالمناسبة تلك ليست سمة المثقفين المصريين وحدهم بل هي سمة عامة لدى مثقفي المنطقة، وما يميز المصريين في هذا السياق ان الحفريات الأثرية منذ فترة طويلة كشفت عن تلك الحوارات الشعبية التي تعبر عن موقف الإنسان العادي من كثير من القضايا التي تدور حوله، فثمة بعض البرديات الأثرية التي تتحدث عن هذه المواقف.
في الأتوبيس (الباص) تسمع كثيرا من التفسيرات لكل ما يحدث في العالم العربي، ويمتزج الواقع بالأسطورة والحقيقة بالخيال، ولكن ثمة روايات يتم تداولها بين الركاب صغارا وكبارا نساء ورجالا، تعطيك صورة لما يدور من أحداث، فالاتوبيس صندوق العجائب المفتوح على كل ما يخطر على بالك، وثمة حضور قوي لكل من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر والرئيس العراقي الشهيد صدام حسين في الأتوبيسات، وبالمناسبة حتى في التظاهرات الفرعية التي تحدث هنا أو هناك والتي تحمل مضامين سياسية والتي تقوم في وجه أنصار عهد مبارك البائد، فان صور الزعيمين أيضا حاضرة.
كنت أتساءل ماذا لو أننا سألنا المثقفين عن سبب وجود هاتين الصورتين، بالضرورة سوف نسمع تحليلات ما انزل الله بها من سلطان، توصلك إلى البحر وتعود بك عطشان من دون ان تعرف لماذا تلك الصور. ومن تلك المقولة التي تقول إذا أردت أن تعرف مصر فلا تبدأ بمثقفيها، اكتشفت أن عالم القاهرة الداخلي يتشكل بعيدا عن المثقفين، وهذا ما حدث بالضبط في الآونة الأخيرة عندما جر الناس العاديون الأحزاب والمثقفين والنخب كلها وراءهم إلى ميدان التحرير، فثمة قصة أخرى تروى غير تلك التي تروجها النخب عنوانها الناس الذين يعطون للأشياء حسا مختلفا يتسم بالمباشرة والموضوعية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن