ما يحدث في مصر حاليا من أحداث عنف طائفي إذا ما استمرت سوف تؤدي إلى إجهاض الثورة التي لم تنجز بعد. فليس هنالك ملف يمكن إثارته والعبث به أهم من الملف الطائفي الذي يثير شهية أعداء الثورة من النظام السابق. كما أن هذا الملف (الطائفية) كان يشكل مادة للضغط على حكم مبارك، بحيث استغل في كثير من المناسبات لتحقيق مكاسب للدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية.
ومن الشعارات التي ترفع في كل مكان في شوارع القاهرة سؤال مهم يلقي الضوء على التلكؤ الذي يقوم به المجلس العسكري في مصر في محاسبة وملاحقة رموز النظام السابق الذين ما يزالون يمتلكون حضورا سياسيا في مختلف مفاصل الدولة المصرية، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من المستفيدين من ذلك النظام، مما يبقي المجال مفتوحا بشكل كبير لإحداث نكسة حادة في مسار الثورة. فالشعار الذي يطرح: ماذا لو أن ما حدث في مصر كان انقلابا عسكريا، هل سيبقى رموز النظام السابق من دون محاكمة حتى الآن، أم أن المحاكمة كانت ستتم عشية قيام الانقلاب؟ بالضرورة ستكون الإجابة بالنفي، وهذا النفي يؤكد أن المؤسسة العسكرية وحكومتها التي باركها شباب الثورة في ميدان التحرير ما تزال عاجزة عن تقديم مبارك وأسرته ورموز النظام السابق إلى المحاكمة.
هذا العجز يؤدي إلى تخوفات حقيقية على مستقبل الثورة، ويجعل مشروع التقدم بها إلى الأمام طريقا محفوفة بالصعوبات؛ ما لم يتم الشروع بشكل جدي في اجتثاث بقايا النظام من مختلف المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية التي تقف على الحياد في كثير من المواقف. وبحكم مشاهدات العيان للواقع في القاهرة، فإن الأمن المصري يقف مكتوف الأيدي أمام كثير من أعمال الشغب التي تحدث، وهذا بحد ذاته مؤشر خطر، ويجعل من مستقبل الأمن في مصر رهن ردات الفعل التي تحدثها موجات العنف الطائفي التي يوقدها مستفيدون كثر، ليسوا بالضرورة من أنصار النظام السابق وحده، بل ثمة أكثر من جهة تستفيد من انزلاق مصر إلى العنف الطائفي.
وليس سرا أن هنالك تخوفات حقيقية يبديها العديد من النخب المصرية حول مستقبل الدولة المدنية في مصر، خصوصا أن التيارات السلفية تحظى بقبول شعبي كبير، كما أنها تنتشر بشكل كبير في أواسط المواطنين، ما يستدعي التفكير مليا لحماية مستقبل الثورة ومستقبل الدولة المدنية التي يُخشى أن تُختطف من قبل هذه المجموعة أو تلك، وبالتالي تعطل مشروع بناء أنموذج مدني ديمقراطي يساهم في صياغة مستقبل المنطقة العربية كلها. فليس صحيحا أن تترك القيادة العسكرية في مصر الباب مفتوحا أمام أعداء الثورة للإطاحة بالدولة المصرية، وخلق حالة من الفوضى التي تهدف إلى خلق فتن داخلية بغض النظر عن من تسبب بها، فالحسم السريع لكثير من القضايا وعلى رأسها محاكمة رموز النظام السابق يعجل بالضرورة بقطع الطريق على من يريدون تفكيك مصر!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن