أجزم أن الجميع قد استبشروا خيرا بما حدث في مصر، وأنها كانت الحافز الأهم والأكبر والأخطر على قيادة التغيير في العالم العربي، فأصبح الربيع عربيا بامتياز بعد ما حدث في مصر. 
ما حدث في مصر مؤخرا من أزمة تتعلق بمنظمات المجتمع المدني التي تعتمد في تمويلها على الخارج، وخصوصا من قبل الولايات المتحدة الأميركية، يفتح الباب على مصراعيه على طبيعة وأهداف التمويل الأجنبي، وخصوصا الشق المتعلق بتمويل العديد من المنظمات الأجنبية لمشاريع وأنشطة بعض جمعيات المجتمع المدني في الدول العربية. 
فقد شكلت قضية تمويل منظمات المجتمع المدني الحدث الساخن والأهم في مصر بعد سقوط نظام مبارك، فتسابقت الصحف المصرية على تناول الموضوع. وأفردت الصحف المصرية صفحات كاملة لرصد وتحليل الحالة المصرية في التمويل الأجنبي، واستندت إلى شهادات خبراء وعاملين ونشطاء في حقل المجتمع المدني. وزيادة الاهتمام تلك تعود الى خطورة الموضوع المطروح، إلى حد إبرازه في العناوين الرئيسية للصفحات الأولى في الصحف المصرية، والحديث عن أنه الحدث الأهم بعد خلع نظام مبارك. وبحسب المصادر، فإن واشنطن قررت استدعاء رئيس مكتب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالقاهرة جيمس بيفر، بعد عشرة أشهر فقط من تكليفه بالمهمة. 
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤول أميركي قوله إن سبب الاستدعاء هو الاتهامات والجدل المثاران في القاهرة حول المساعدات الأميركية لمنظمات المجتمع المدني. كما أن صحيفة "لوس انجلوس تايمز" ذكرت في تعليق لها أن جهود الولايات المتحدة المستمرة لتعزيز الإصلاحات الديمقراطية في مصر "ينظر إليها بشكل خاطئ"، وأشارت إلى أن المجلس العسكري صور الجماعات التي تحصل على التمويل الأميركي وكأنها تعمل لحساب حكومة أجنبية. 
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" عن أحد المسؤولين الأميركيين قوله: "إن برامج المساعدات الأميركية تسعى إلى الحصول على أفكار من المصريين"، مؤكداً أن واشنطن تبذل جهداً كبيراً لمعرفة ما تحتاجه مصر في الوقت الراهن. وكشفت الصحيفة أن حوالي 85 % من التمويل الأميركي لمصر ذهب بالفعل إلى منظمات أميركية في مصر، مثل المعهد الديمقراطي الوطني، والمعهد الجمهوري الدولي، للمساعدة في دعم الأحزاب السياسية قبل الانتخابات.
وأشارت الصحيفة إلى ان إعلان الولايات المتحدة عن توزيع 65 مليون دولار على هيئة منح مباشرة للجماعات المؤيدة للديمقراطية فى آذار (مارس) الماضي، أثار ردود فعل غاضبة من جانب الحكومة المصرية، والمجلس العسكري. وعودة إلى نتائج الربيع العربي، فمتى سيتم فتح ملف التمويل الأجنبي شعبيا ورسميا. إذ بحسب المفكر المصري فهمي هويدي فإن شواهد الواقع من حولنا تدل على أن المنظمات الأهلية الممولة من الخارج أصبحت تؤدي دور المستشرقين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إذ كان أغلبهم يقومون بمهمة دوريات الاستكشاف التي مهدت الطريق لتقدم قوات الاحتلال، وابتكروا لذلك علم الأجناس (الانثروبولوجي) لإنجاح التحكم في الشعوب المحتلة. ولقد مهدت المنظمات الأهلية المدعومة من الفاتيكان الأرضية لانفصال "إيريان الغربية" عن أندونيسيا في أواخر التسعينيات، كما كان لها دورها في انفصال جنوب السودان عن شماله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن