قبل ما يزيد على عامين، انتقل إلى الرفيق الأعلى الصديق الفدائي مشعل
الهلسة، المعروف باسم "شربل". ووجدت على صفحات "الغد" المساحة الكافية
للكتابة عنه وبحرية. ومناسبة العودة إلى ذكرى رحيله ترتبط ببيان صدر مؤخرا
عن نواب المخيمات، يُفهم منه أنهم يقفون على الحياد حيال ما يجري في الساحة
السياسية الأردنية من حراك شعبي.
وأعلم تماما أن ما صدر عنهم وعن غيرهم
من تصريحات لا يعدو كونه حالة تمثل شخوصا وجماعات مصلحية، ترى العلاقة مع
الأردن طرفية. وتعبر تلك الأصوات التي تدعو إلى علاقة الحياد مع الحالة
السياسية في المجتمع، عن حالة غير صحية وغير سليمة. وفي ذات السياق السلبي،
تجدر الإشارة إلى أن البعض أيضا من المثقفين الأردنيين من أصول فلسطينية
يدعمون هذا التوجه، بدعوى أنهم غير معنيين بالشأن الداخلي الأردني. وفي ذلك
خطورة كبيرة، تؤصل العلاقة الطرفية مع الوطن؛ فكلنا شركاء فيه إذا أردنا
للعلاقة أن تكون سليمة ومبنية على أسس حقيقية تبتعد عن أسلوب "التقية"،
والفهم المشوه للحالة بين مكونات المجتمع الأردني التي نصبو إليها، وهي
مجتمع ديمقراطي تسود فيه سلطة القانون، وأن تكون المواطنة والانتماء لهذا
الوطن هي أساس العلاقة.
لكن يبدو أن البعض يصر على أن يتعامل مع الحالة
الأردنية بسياق نفعي، يمكن تلخيصه بعبارة واحدة: "بدنا نعيش". لذلك، فإن
أجمل ما حدث في الربيع العربي الأردني، أن هذه الحالة الربيعية قد كشفت
المستور، وأزاحت الغطاء عن دعاة الحب المشروط بعدم الاندماج في الحياة
السياسية والاجتماعية في الأردن، والتباكي على ضياع الحقوق أمام السفارات
وغيرها، وكأن الإصلاح السياسي لن يطال هذه الفئة أو تلك، وأن الفساد
الاقتصادي الذي نخر البلد وجره إلى مربع لا يحسد عليه لا يتأثر به المواطن
الكادح في الرمثا والبقعة وعمان والمفرق!
رجعت إلى نص مقالي "أشهد يا
شربل أنك فدائي حر"، ووجدت إنني ملزم باقتباس بعض ما ورد فيه عن وحدة
المصير على الساحتين الأردنية والفلسطينية على حد سواء، وأن من يدعي امتلاك
الحقيقة واهم، ويتعلق بأذيال المصلحة لتبرير بقاء الأوضاع على ما هي عليه،
لأنه ببساطة شديدة جدا غير مهيأ لأن يكون مؤمنا بأن هذا المكان وطنه.
أعود إلى مشهد التأبين. كان الحضور مهيبا، وعلا الصوت من المتحدثين أن لا
صوت يعلو فوق صوت المقاومة. وزاد الحزن لدي حزنا، ولملمت بعضا من ذاكرتي
وجلست بعيدا عن القاعة المحتشدة بالجماهير، فلسطينيين وأردنيين، شيوخا
وشبابا في كرنفال ثوري مهيب غاب عنا منذ زمن.
مشهد يعيد الأذهان إلى
الأيام التي يلتحم فيها الشعب من أجل فلسطين والأردن على حد سواء، كما هو
قدره رغم أنف كل من يحاول أن يقول غير ذلك، أو يسعى إلى فعل يهشم هذا
البناء الذي وحدته فكرة التحرير من البحر إلى النهر، القدر الذي يؤمن بأن
المقاومة هي التي توحد الشعوب نحو مصيرها المحتوم لدحر الاحتلال. تلك
الأيام الخوالي التي عكرت صفوها اليوم الاتفاقيات والمؤامرات والحسابات
المصلحية على أسس إقليمية، أعادها الفدائي" شربل" بكل قوة إلى عصرها الذهبي
في تلك اللحظة التي تعصف فيها بنا الأنواء!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن