تزامنت موجات ارتفاع أسعار الطاقة وسلع استراتيجية أخرى التي تبنتها الحكومة في بداية عهدها، مع تصاعد أحداث سياسية محلية، أهمها إجراء الانتخابات النيابية، وتفاقم أزمة اللاجئين السوريين، وغيرهما؛ ما وفر بيئة مواتية لإضفاء المزيد من التعتيم على تفاقم أوضاع الفقر، وتراجع نوعية الحياة إلى درجات مقلقة، وتحديدا في المحافظات. إذ لم نجد أي مؤسسة تتصدى لمهمة قياس آثار تلك الموجات من ارتفاع الأسعار ومستويات الفقر، سوى الشكاوى المريرة والمخجلة التي تنقلها الإذاعات ووسائل إعلام اخرى يوميا، بانتظار الصدقات السياسية والاجتماعية.
علاوة على حجم التحولات الهيكلية التي خلقتها موجات ارتفاع الأسعار المتتالية على صعيد إعادة إنتاج الفقر بصيغ جديدة مختلفة عما كان مألوفا في السابق، بتنا أمام الحاجة إلى إعادة تعريف الفقر اقتصاديا واجتماعيا من جديد، بعدما أصبح العنوان الأكبر في الحياة اليومية للأفراد والأسر. بل ليس غريبا أن نجد محافظة بأكملها تحولت إلى جيب للفقر.
الفقر لدينا حلقة مفرغة صلبة؛ دوران هائل في العمل الاجتماعي يلف حول ذاته، بدون أن يتقدم خطوة واحدة. وحديث طويل لا ينقطع ولا ينتهي حول الفقر والفقراء والتمكين وبناء القدرات والتأهيل، إنما بدون نتائج ملموسة على الأرض. دوران هائل لا يصل الفقراء منه إلا المزيد من الغثيان.
ثمة مدرسة لدينا ترفض الاعتراف بعمليات تجريف الثروة المنظمة، وإعادة تركيزها بشكل عمودي. لدى هذه المدرسة، ما يزال الفقر في معدلاته الطبيعية، والطبقة الوسطى بخير. وإلى وقت قريب، كانت توصيات أنصار هذه المدرسة هي المسموعة، شاهدها السلوك الاستهلاكي لفئات اجتماعية محدودة. واليوم، لدينا شاهد مؤلم وصارخ في دراما الانتخابات النيابية الأخيرة، تمثل في دور المال السياسي وازدهاره، ليس فقط لأن هناك من يريد شراء ذمم الناس، بل لأن هناك أيضا من وصلت به الحال إلى أن يبيع أيضا. والجانب الآخر هو تراجع تمثيل الطبقة الوسطى في البرلمان لصالح رجال الأعمال وحديثي النعمة.
من المفترض أن الوعي التاريخي والاجتماعي للدولة يحسم بوضوح نحو التحيز الإيجابي للطبقة الوسطى، وبالتحديد في هذه المرحلة التي تشهد تحولات واسعة. فمن المفترض أن تبقى هذه الطبقة هي أساس حفظ التوازن في المجتمع، وأن تبقى تقود حركة التنوير والتغيير الايجابي، وتحافظ على القيم الكبرى. ومن المفترض أنها الأقدر على المشاركة السياسية، والأكفأ في إضفاء الشرعية على الدولة برمتها. ولكننا نجد تلك الطبقة تتقهقر في بيت المشاركة السياسية في البرلمان، ما يكشف حجم التعتيم الذي يمارس على ما وصلت إليه المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
لم تبرز إلى هذا الوقت أي إنجازات أو آثار واضحة لصندوق تنمية المحافظات على الأرض، بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على إعلان تأسيسه. ولم نجد عملا جادا لتحول تدريجي لبناء قاعدة إنتاجية اجتماعية؛ بل إن منهج العمل الجاري يستعيد فكر الرعاية التنموية السلبي، والذي حول الناس من فلاحين وزراع منتجين، إلى عاطلين ومعطلين، يستجدون الصدقات السياسية والاجتماعية، والتي تأخذ في كل مرحلة شكلا جديدا يحافظ على فكرة العطايا والمنح والهبات والريع والقروض الوهمية.
التعتيم على الفقر والفقراء وسط الزحمة السياسية، يزيد من تعقيد الموقف وتفاقمه، بل سيعمل من حيث لا ندري على تحويل قضية الفقر إلى سياسية من نوع آخر.

 

 بقلم: د.باسم الطويسي​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد