لم يكن رحيل الصديق سامي الزبيدي وأسرته الصغيرة بهذه الطريقة المفجعة، مجرد حادث سير مأساوي تعرض له كما تتعرض له أسر أردنية أخرى مرات كل عام على الطرق الخارجية وبين المحافظات؛ بل ضربت هذه النهاية الحزينة على منطقة في العمق، وكشفت عن شكل آخر من أشكال النهايات الحزينة المفتوحة لجيل التسعينيات من الشباب الأردني الذي جاء بوعي جديد وممارسة جديدة، وشكّل نقطة فارقة في تاريخ النخب الشابة والدولة والمجتمع.
ذلك الجيل الذي ألقى عصا الترحال في منتصف الطريق، وجاء من مختلف المشارب الفكرية والأهواء الأيديولوجية، وقبل بالدولة وتكيف معها، وكان حلمه أن يغيرها من الداخل. ومن أجل هذا الحلم، تمزق هذا الجيل بين الوصل والقطيعة؛ بين الوفاء للأفكار الأولى وبين التكيف مع الواقع والجديد والتغيير المتعثر؛ وتمزق على الطرقات بين عمان والقرى البعيدة، وبين عمان وعواصم ومدن العالم.
تعرفت على المرحوم سامي الزبيدي في نهاية الثمانينيات في جامعة اليرموك. كان يكبرنا بسنوات قليلة، لكنه كان يكبر جيلنا بالوعي والمعرفة بعقود طويلة. بدوي نحيل القامة، معجون بحزن صحراوي عميق. كنا نتفق ونختلف كثيرا، فيما كان يحيرني ذلك التوق الأممي العميق الذي طالما حلم به ذلك الشاب البدوي القادم من عمق الصحراء الشرقية. وعلى الرغم من أن جامعة اليرموك كانت تعج في ذلك الوقت بكل ما يوجد في المشهد السياسي والفكري العربي من أفكار ومذاهب سياسية، كان يتقاسمها الطلبة في الساحات وفي مطعم العمال؛ كما كان يحلو لسامي ورفاقه تسمية المطعم الذي تعود ملكيته للجامعة وليس للقطاع الخاص، فقد كان الزبيدي مرجعية فكرية وسياسية للكثيرين من مختلف الأطياف.
أعترف بكل صدق بحجم التأثير الكبير الذي تركه الزبيدي على وعي وممارسة العشرات من رموز هذا الجيل، من مختلف المرجعيات الفكرية. كما تبادلنا الكتب المسموحة والممنوعة، وتقاسمنا صناعة الخميرة الفكرية والثقافية التي كان لها دور مهم في تغيير الثقافة السياسية، ونقلت البلاد إلى مرحلة جديدة من الديمقراطية المتعثرة والتغيير العنيد.
عاش سامي فترة عبثية في التسعينيات. ويبدو أنه لم يهضم عمان بسهولة، كما لم تهضمه هي بسهولة، حتى عاش تحولاته السياسية والفكرية واستقر به الحال كاتبا في "الرأي". هناك قابلته بعد سنوات طويلة. تعاتبنا طويلا، وتتبعنا معا خط التحولات التي عاشها، ولكن في النهاية اتفقنا على أن التحولات يجب أن تقاس على مسطرة الوطن والناس. لقد شكلت مساهمة سامي الزبيدي إضافة نوعية جديدة في الكتابة الصحفية في الأردن، اتسمت بالعمق والتكثيف والجرأة، وأدخلت مفاهيم جديدة على الثقافة السياسية الوطنية. وقد خاض عددا من معارك الدولة؛ بعضها كان له، وأخرى أقحم فيها. وبدون شك، فقد كان الزبيدي أحد من ساهموا في وعي الوطنية الأردنية الجديدة المتصالحة مع فكرة الدولة والرافضة لواقعها، والتي تقبل بالتعدد والتنوع. وكان من القلائل الذين أدخلوا رؤية نقدية مسؤولة في مراجعة شؤون الدولة والمجتمع.
إلى رحمة الله الواسعة أيها الصديق الغريب، فقد كنت الأقرب إلى الله الذي نعرفه؛ كنت تؤمن بأن الانتماء الحقيقي هو للناس والمهمشين والمستضعفين، ولقيم العدل والنزاهة والإنجاز، وهذا أصدق معنى للوطن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد