على خلفية الفوضى التي جرت تحت قبة البرلمان في جلسة الأربعاء الشهيرة، اشتكى صحفيون من إجراءات تقيد حركة الصحفيين، وأحيانا إجراءات تفتيش أمنية تبرر بالحرص على منع إدخال أسلحة الى المجلس. وهي ما يعتبرها المجتمع الإعلامي إجراءات غير لائقة، في الوقت الذي يزداد فيه التسخين لاستعادة أجواء المواجهة بين البرلمان والإعلام، والتي صبغت معظم حقبة البرلمان السادس عشر السابق.
طالما اتهم البرلمان السابق الإعلام بالمساهمة في الإضرار بسمعته، وفي تشكيل الصورة غير السارة التي خرج بها من الحياة السياسية. وطالما قدم الإعلام مرافعات تؤكد حقه في ممارسة دور الرقابة على أداء السلطة التشريعية باسم الرأي العام. وحتى لا تتكرر المواجهات -وبعضها لا بد منه- تحتاج العلاقة بين البرلمان والإعلام الى المزيد من الفهم المتبادل للأدوار، وأحيانا وضع قواعد ومعايير للسلوك تنظم هذه العلاقة.
خلال فترة مجالس النواب الثلاثة الأخيرة، شهدت علاقة المجلس بوسائل الإعلام، وتحديدا الصحافة، توترا واضحا، أدى إلى إقدام بعض تلك الوسائل على مقاطعة تغطية البرلمان. ومن أهم القضايا التي أثارتها وسائل الإعلام الأردنية في مراقبة أداء تلك المجالس، والمرشحة لأن تتكرر مع المجلس الحالي: أولا، موقف مجلس النواب من الحريات الإعلامية، وإصداره تشريعات فُسّرت على أنها مقيدة للحريات. ثانيا، امتيازات النواب، مثل سفر النواب ومياوماتهم والإعفاءات التي يحصلون عليها. ثالثا، موقف المجلس من بعض قضايا الفساد، والطريقة التي تم التعامل من خلالها مع هذه الملفات التي كانت لها شعبية واسعة وسط الرأي العام. رابعا، مضامين وطريقة مناقشة النواب في جلسات الثقة بالحكومات وجلسات إقرار الموازنة العامة. خامسا، حضور النواب للجلسات، وموضوع عدم تحقق النصاب القانوني لانعقاد بعض الجلسات. وجميع هذه القضايا لا تخرج من حدود الدور الرقابي للإعلام، لكنها كانت تستفز المجلس أحيانا كمؤسسة، وتستفز جمهورا واسعا من النواب.
يوجد اليوم مائة صحفي مقيم في البرلمان البريطاني، لكل منهم مكتب وجهاز حاسوب يرتبط بشبكة البرلمان والإنترنت. وينتخب هؤلاء الصحفيون المقيمون سنوياً لجنة إدارية من عشرة صحفيين. ومن بين هؤلاء المائة، توجد مجموعة أخرى من 30 صحفياً تعرف باسم "لوبي" (Lobby)، وهي كلمة مأخوذة من "الردهة" أو "المدخل". وفي برلمان ويستمينستر هناك لوبيان لتصويت النواب، أحدهما بـ"نعم"، والآخر بـ"لا"؛ إذ تخلى القاعة قبل التصويت، ويمنح البرلمان مجموعة الصحفيين (اللوبي) حق الوجود في هذا المكان من خلال بطاقات عليها حرف (L). وتخولهم هذه البطاقة دخول مباني الحكومة والوزارات المركزية في "10 داوننغ ستريت"، ويلتقون بالسكرتير الصحفي مرتين يومياً، وثلاث مرات كل يوم الأربعاء. ما يدل على قوة مكانة السلطة الرابعة لدى السلطتين التنفيذية والتشريعية وعلاقتها بهما في أعرق ديمقراطيات وبرلمانات العالم.
البرلمان والإعلام ركنان أساسيان من أركان العملية الديمقراطية، ولا يمكن تصور قيام البرلمان بمهامه التشريعية والرقابية بكفاءة بدون وجود إعلام حر ومتعدد يعمل بمهنية، ما يتطلب المزيد من الفهم لأدوار الإعلام في العمل البرلماني، وإرساء تقاليد وقواعد واضحة للطرفين، والاستفادة من أخطاء الماضي القريب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد