منذ عدة أشهر والصديق الراحل محمد طمليه حاضر الذهن عندي. وازداد الحضور قوة عندما عدت إلى مجموعته القصصية التي صدرت في العام 1984، تحت عنوان "المتحمسون الأوغاد"، والتي تحمل مضامين فكرية واجتماعية عميقة، يمكن تعميمها على الأفراد والمؤسسات والأفكار والمواقف السياسية!
مكمن الإبداع في المجموعة أنها قصص قصيرة لا تحتاج إلى كثير من العناء لقراءتها؛ دقيقة أو دقيقتين وتنتهي من القراءة. والعبرة ليست في الطول أو القصر، أو العبارات المنمقة والولوج في باب الخيال والخداع الداخلي الذي يبنى عادة في السرديات الطويلة. القصة التي أبدعها الراحل محمد تكمن أهميتها فيما يثيره جوها الداخلي من تحديات ذهنية، وإشكالات سياسية وأيديولوجية لإسقاط القصة على أشخاص بعينهم، وجماعات بعينها، ومواقف سياسية يجري التحذير منها مسبقا للتناسب مع الإرهاب الداخلي الذي تتم ممارسته على المجتمع!
 قصة "المتحمسون الأوغاد" تبقى حاضرة في الذهن، ولا تختفي بسهولة بمجرد انتهاء القراءة منها، وتقادم الأيام والأحداث، بل إن أحداث القصة تتقاطع وبشكل منقطع النظير مع الواقع اليومي المعاش بكل تفاصيله. القصة تدور حول نملة، قررت الخروج على تقاليد معيشة النمل المتمثلة في العمل، إذ إن العمل هو ما تعرفه، ولا يمكن إعادة التفكير بشكل آخر للحياة.
القصة تشير الى الإرهاب الفكري الذي يمارس ضد "النملة"، والذي لا يقف عند حدود السلطة  السياسية التي اعتدنا على معرفة دورها، وكذلك أحداثها لا تشير إلى هيمنة المقدس الديني، بل بخوض غمار إرهاب جديد يفتح عيوننا عليه، وهو إرهاب فكري مجتمعي، أساسه الركون إلى تقديس السائد، والخنوع للموروث من أفكار وبرامج وسياسات وأفراد، ولكل صيغ الحياة بشكلها الاعتيادي.
أضع بين يدي القارئ النص التالي منها: "الحقيقة هي أنني مللت هذا الأمر الذي تسمينه مقدسا. لقد فقدت عنصر الدهشة في حياة رتيبة لا جديد فيها. إن حبوب القمح متشابهة، حتى ليخيل إلي أنني نقلت حبة قمح واحدة طوال حياتي".
قالت النملة الرفيقة: "إن المصلحة العامة تقتضي أن أقوم بكتابة تقرير مفصل عن نواياك السيئة هذه". وهرعت الرفيقة لمقابلة النملة قائدة الفصيل. جلست النملة الضجرة في ظل أعشاب جافة، وأخذت تفكر: "إنهم مجانين. يعملون ليل نهار وكأنهم خالدون إلى الأبد. إنهم يزدادون سمنة فحسب، ومع ذلك فالموت يبتلع الجميع أخيرا".
انتشر خبر النملة الضجرة في أوساط النمل، وصار الجميع ينظر إليها بعين الشماتة والازدراء. حتى إن إحدى النملات المدللات قالت وهي تمر من أمامها: تلك هي النملة الساقطة، كم أرجو لو يسمحون لي بدق عنقها".
وقالت نملة مدللة أخرى: "ينبغي أن لا تظل هذه النملة الفوضوية بيننا بعد الآن". أشاحت النملة المتمردة بوجهها وهي تقول: "هؤلاء المتحمسون الأوغاد"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن