حصول حكومة الدكتور عبد الله النسور على الثقة بمثابة تحصيل حاصل، مهما حاول بعض السادة النواب وبعض مراكز صنع القرار إضفاء صبغة مغايرة للواقع أو افتراض وجود معارضة منظمة قادرة على تغيير قواعد اللعبة السياسية التقليدية، ولو حتى لمجرد منح العملية السياسية طابعا ولونا مختلفا، على افتراض أن الحكومة الحالية خلاصة بداية التحول نحو الحكومات البرلمانية؛ فلا توجد خميرة سياسية تنطوي على حيوية تقود نحو احتمالات ومفاجآت.
لا جديد تحت القبة ولا جديد في الدوار الرابع، وستذهب الأمور في مسارها التقليدي ليس انتقاصا للحكومة ولا للمجلس، بل لأن قواعد العمل السياسي لم تتغير، ومراكز التأثير في صنع القواعد السياسية لم تغير من أدوارها وطريقة إدارتها للعلاقة بين السلطات؛ ولكنّ هذا لا يعني أن قواعد منح الثقة أو حجبها لا يمكن تغييرها.
تواضع التنوع السياسي في البرلمان يجعل من ماراثون الثقة أشبه بماراثون مشاورات التشكيل، بلا معنى سياسي أو محصلة معيارية واضحة في نهاية النهار، ما يعني سياسيا دعوة المجلس للنظر في الإمكانيات السياسية المتاحة والتصرف على أساسها، وطرح مفهوم مختلف لمنح الثقة المشروطة زمنيا ضمن الإمكانيات المتاحة أمام الحكومة وضمن الموارد السياسية الممكنة أيضا، فهذه هي السياسة؛ فللمجلس الحق أن يمنح الحكومة الثقة لمدة ستة أشهر فقط ضمن شروط ومعايير في عدد محدود من السياسات، وأن يعاود مناقشة طرح الثقة بالحكومة مرة أخرى بعد انقضاء هذه المدة وبشكل جدي يجعل البرلمان ملتزما بشكل واضح وصارم أمام الرأي العام.
علينا أن نفكر بالتزام حكومي واضح في السياسات الاقتصادية،وقابل للمساءلة وللقياس ضمن مؤشرات أداء معلنة مسبقا؛ على سبيل المثال سياسات تقود إلى خفض معدل البطالة في الربع الثالث من هذا العام بمعدل 1 % على أقل تقدير، خفض التضخم بمعدل 1 % على الأقل في المدة نفسها، تقديم استراتيجية واضحة لتنمية المحافظات وعدم الاكتفاء بالتعلل بالصندوق الذي ولد فقيرا ومعتلا، محاصرة أزمة التعليم العالي وأزمة التعليم العام بإجراءات عملية على رأسها زيادة حصة الإنفاق على التعليم بما يتجاوز 2 % إضافة إلى الحصة الحالية، إرادة سياسية حقيقية تفضي إلى محاصرة الفساد ومحاكمة الفاسدين، تشمل إنهاء اللجنة الملكية للنزاهة أعمالها خلال هذه المدة، وأن تضع الحكومة مخرجاتها موضع التنفيذ. ويمكن أن يحدد النواب ثلاثة ملفات ارتبطت بوجدان الرأي العام مثل الفوسفات وسكن كريم وموارد، وأن يطالبوا بحسمها خلال هذه المدة. انفتاح حقيقي في الحريات الإعلامية وعملي بإصلاح قانوني المطبوعات والحق في الحصول على المعلومات.
برنامج الثقة الزمنية المشروطة ينسحب على السياسة الخارجية وفي مقدمتها الملف السوري والمطالبة بالتزام حكومي بعدم الذهاب بعيدا وراء الضغوط الإقليمية، والالتزام بسياسة الحياد الإيجابي لمصلحة الشعب السوري، ووضع معايير واضحة في هذا الشأن، والبحث عن المصالح الوطنية الأردنية بالمزيد من الوضوح في أجواء الاتجاه نحو قضايا الحل النهائي، وجعل البرلمان هو المرجعية الحقيقية لأي خطوة في هذا الشأن.
البرلمان أمامه فرصة ثمينة في أن ينتزع شهادة النضوج السياسي امام الرأي العام، إذا ما أراح الناس من النقاشات المكرورة التي لم تتوقف منذ عقود وتنتهي عادة بمنح الثقة، إلى ممارسة سياسة عملية والتصرف في حدود الممكن؛ ثقة مشروطة بمدة زمنية والتزام بالعودة لطرحها مجددا في ضوء شروط معلنة ومحددة. علينا أن نتذكر ونتعلم أن السياسة هي التصرف في حدود الممكن.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد