تذهب الأمور في سورية سريعا نحو نقطة اللاعودة إلى إمكانيات الحلول السياسية التي طالما تم الحديث عنها، مع ازدياد تعقيد الموقف الاستراتيجي على الأرض وازدياد تعقيدات المواقف الدولية، بينما يزدحم الإعلام هذه الايام بالقصص والتوقعات أكثر من المعلومات. 
  نلاحظ أن التركيز الإعلامي على الأردن بدا أكثر من أي وقت سابق، بوقائع يحتاج بعضها تفسيرا أردنيا، ولا تجد هذا التفسير الرسمي، وبتسريبات أخرى مختلقة وغيرها لا تعدو أن تكون أكثر من تحليلات يتم تسويقها على أنها وقائع، فيما يبدو أن الإعلام الدولي يحاول أن يقود الأردن الرسمي للعبة ردود الأفعال، وهي اللعبة التي وقع فيها النظام السوري بسرعة، عبر ردود أفعاله المتكررة التي تركزت على الأردن خلال الأسبوع الماضي.
الأردن الرسمي حافظ طوال عامين من عمر الأزمة السورية على الحياد، وهو تقدير موضوعي في رؤية المصالح الوطنية الأردنية من منطلق الحساسية الجيواستراتيجية التي تربطه بسورية جغرافيا وتاريخيا وشعبيا. وعمليا مارس الأردن حيادا ايجابيا لصالح الشعب السوري عبر الانحياز الواضح للحاجات الإنسانية لأكثر من نصف مليون لاجئ، وعبر الدور الذي مارسه الجيش العربي في إنقاذ المدنيين وتأمينهم. وإلى هذا الوقت لم تنضج أي تحولات تدعو الأردن للانقلاب على هذه الرؤية، ثمة أطروحات تناقش بأصوات مرتفعة حول مناطق آمنة في الجنوب السوري، هناك احتمالات أن يفكر فيها الأردن ضمن محددات الشرعية الدولية للتخفيف من ضغوط أزمة اللاجئين، ولكنّ الأمر سيبقى غير محسوم إلى حين أن ينجلي الموقف الاستراتيجي في الجنوب السوري نفسه.
 يبدو أن النظام السوري لديه تعسر هذه الايام في فهم حقائق المواقف الدولية، وحدود ما تشهده من تحولات، ما يجعل الخيال السياسي يسيّره أكثر من الوقائع، فالمعبر الحدودي الرسمي بين البلدين من الجانب السوري، الذي ما يزال يرتفع عليه العلم السوري، يحميه عمليا الجيش الأردني، بينما قوات الجيش الحر لا تبعد عنه سوى مئات الامتار. أردنيا تحتاج الدبلوماسية الأردنية إلى حيوية حقيقية ومحسوبة الخطوات والحذر كل الحذر من الوقوع في شباك التصريحات والتصريحات المضادة التي سنجدها في نهاية النهار تقود إلى تحولات في المواقف بدون تقديرات أو أثمان حقيقية.
لاحظنا كيف تفاعلت قصة وجود الجنود الأميركيين على الأراضي الأردنية بعددهم المحدود وكيف فتحت الباب لسيناريوهات لم تنتهِ حتى بتصريحات وزير الدفاع الأميركي امام الكونجرس الذي حدد فيها طبيعة مهمة هؤلاء الجنود ودورهم الذي لا ينفي ارتباطه بالأوضاع في سورية، في الوقت الذي نفى فيه وجود أي سيناريو أميركي للتورط عسكريا في سورية، بينما سبق  ذلك نفي الجانب الرسمي الأردني أي علاقة لهذه القوة الصغيرة بالأوضاع في سورية، ثم توالت التسريبات حول نشر صواريخ باتريوت أميركية في الأردن وصولا الى وجود خطة للتعامل مع الأسلحة الكيماوية تنطلق من الأردن.
اللعبة هذه الأيام تدار استخباريا وبالمعلومات والإعلام، والوضع يزداد تعقيدا، والأزمة من المنظور الأردني مركبة ومتشابكة، وتحتاج إلى  ذكاء سياسي وليس تذاكيا في إدارة المعلومات والتعامل مع الإعلام الدولي، وإلا سنجد أنفسنا ننقاد إلى مواقف قد تكون نقطة اللاعودة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد