في معظم الأزمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، كبيرة كانت أم صغيرة؛ من العنف المجتمعي والطلابي بكل أشكاله ومواقعه، إلى التعامل مع موجات اللاجئين، وصولا إلى حادثة الاعتداء على مواطنين أردنيين من قبل موظفين في السفارة العراقية، نلاحظ كيف يعلو صوت الصراخ الإلكتروني فوق كل الأصوات، حتى يبدو للبعض أنه مسطرة لقياس اتجاهات الرأي العام ومواقف الناس.
ظاهرة "الصراخ الإلكتروني" ليست ظاهرة أردنية، بل هي ظاهرة عالمية، لكنها تجد بيئة خصبة في بعض المجتمعات التي توصف بعدد من الخصائص، كحالة المجتمع الأردني. وهي مرتبطة بالوسائط الإعلامية الجديدة، وبالتحديد شبكات الإعلام الاجتماعي، وبعض المنصات الإعلامية الرقمية التي يديرها هواة أو أشباه محترفين. وقد أطلقت الدراسات المبكرة (قبل خمس سنوات) على هذه الظاهرة وصف "قوة الأقليات الصارخة"؛ ويقصد هنا المجموعات الاجتماعية أو العمرية أو الفئوية التي تملك القدرة والوقت للوصول إلى هذه الوسائل وإغراقها بالمعلومات والمواقف والتحليلات للأحداث، والتي تبدو كأنها تعكس الرأي العام العريض في الشارع.
وفرت الوسائط الاجتماعية بيئة ملائمة لازدهار هذا النوع من الخطاب الإلكتروني، وبالتحديد بفعل القدرة على إخفاء الهوية؛ ما يتيح المجال لرفع الصوت عاليا بمضمون غير مألوف يتم التطبيع معه بسرعة هائلة، أو إصدار الأحكام، أو نشر خطاب الكراهية للآخرين، أو تصنيف البشر وإعادة التصنيف وتضخيم الذات، بشكل يجعل القارئ يتخيل زوال الآخرين. وطبعا، فإن معظم موجات الصراخ الإلكتروني غاضبة ومملوءة بشحنة عالية من العاطفة والمشاعر الملتبسة التي ترفض مبدأ النقاش والتبادل الحقيقي للآراء. والحقيقة الصادمة هي أن هذه الحالة تعطي صورة كاذبة ووهمية، فلا تعكس الواقع، بل تبني واقعا افتراضيا لا وجود له على الأرض، أو تضخم الذرات لتُرى كائنات تمشي على الأرض.
والحقيقة الصادمة الثانية، هي أن ظاهرة الأقليات الصارخة، والصراخ الإلكتروني، تزدهر في المجتمعات المتحولة اجتماعيا وسياسيا، والتي تتمتع بنسب تعليم عالية، وتعاني من أزمة ثقافية في حسم خياراتها وقيمها الكبرى حول الهوية ودور الدين والموقف من القانون وغيرها.
وعلى الرغم من أن الإعلام الجديد يشكل أحد أدوات وعتاد العولمة القائمة على مبدأ التنميط الثقافي، إلا أن حصاد السنوات الأخيرة لم يأت بمجمله في خدمة التحليل الإمبريالي لمستقبل الثقافة؛ أي تمييع الهويات الوطنية، ومحو الثقافات المحلية، على أساس أن تكنولوجيا الإعلام الجديد قادرة على أن تفصل الهوية عن المكان، ما يقدم لنشوء ثقافات عابرة للحدود الوطنية، بينما الحدود بدورها تتحول تدريجياً إلى حدود شفافة تعبرها الأفكار، إلى جانب السلع، بدون حواجز قانونية أو ثقافية. مقابل ذلك، يرى تيار ما بعد الحداثة أن الإعلام الجديد يذهب في اتجاه آخر؛ نحو تعددية وتكاثر تعبيرات الثقافات الوطنية، وإلى التفتيت والتجزئة أكثر من الاندماج.
ثمة تيار إحيائي للهويات المحلية الفرعية، يجتاح جهات متعددة من العالم؛ ليس في دول أوروبا الشرقية الجديدة، بل في جهات متعددة، وفي مجتمعات تخرج من فوضى الحروب الأخيرة. ولعل مشهد إحياء الهويات المحلية في العراق بعد حرب العام 2003، وارتفاع أصوات الأقليات الثقافية والدينية بعد تيار الثورات العربي، يشكلان مثالين واضحين على ما منحه الإعلام الجديد والبث التلفزيوني المباشر من إمكانات للجماعات الثقافية المحلية، بغض النظر عن حجمها وتمثيلها الفعلي؛ ما نحت مفهوم "الأقليات الصارخة". ولكن الأعقد والمؤلم هو فيما توفره بيئة الصراخ الإلكتروني من فرص للهويات المتخيلة أو الافتراضية التي يسوق لها سيل من الادعاءات التي لا وجود لها على الأرض، وإنما في الواقع الافتراضي على الشبكة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد