مع ازدياد قوة التيار الذي يؤمن بفكرة التفكيك وإعادة التركيب السياسي للمنطقة، تبرز قيمة الأوراق التي تصدرها المراكز البحثية المتخصصة في الغرب، والتي تحاول عادة تقديم قراءات لما يحدث، ورؤى لمستقبل المنطقة وأي قادم ينتظرها. وهنا تبدو المفارقة والمشكلة في التعامل المحلي؛ أي في تعامل وسائل الإعلام العربية وقادة الرأي مع هذه المنتجات الفكرية والعلمية والسياسية. إذ يبرز حجم الحدة والتطرف في التعامل مع هذه المنتجات؛ بين المبالغة في قيمتها والرهان عليها، مقابل الهجوم والرفض وافتراض فكرة المؤامرة الغامضة.
تتجاوز المسألة العواصف التي تأتي بها مقالات غربية تنشر بين وقت وآخر، وتحاول تفسير ما يحدث عن بعد؛ أو خرائط ينشرها هواة حول مستقبل التفكيك وإعادة التركيب، إلى الإنتاج الثقافي والعلمي للمؤسسات البحثية التي تحتاج التوقف والتمييز بين المراكز الأكاديمية الصرفة، والأخرى ذات الطابع السياسي والأيديولوجي، وصولا إلى مراكز البحوث الصراعية التي ازدهرت في حقبة الحرب الباردة.
في ظروف حروب الاقتتال الداخلي، وحالات انعدام الاستقرار والنزاعات الطائفية والأهلية، تبرز قيمة البحوث الثقافية التي تستخدم أدوات مختلفة لفهم لماذا يقتتل الناس، وما الذي يثير حفائظهم، وكيف يتم تحريك الراكد الاجتماعي، وكيف تبرز الجماعات والهويات المحلية. وتُطرح أسئلة أخرى من قبيل: ماذا لو تصاعدت الصراعات المحلية؟ وماذا لو أصبحت ظاهرة عابرة للحدود؟ وكل ذلك يحتاج إلى أدوات ثقافية عميقة، ليس لمجرد ترف التنظير في فهم التكوين الطائفي وتحالفاته وأنماط الحياة اليومية في سورية أو لبنان أو العراق، ولا لمجرد التنظير حول خرائط توزيع القوة بين المناطق والجهات؛ شرق وغرب ليبيا، وهو ما ينسحب على العشائر في الأردن وفي اليمن وغيرهما. بل قيمة الأدوات الثقافية تبدو في قدرتها العميقة على فهم اليوم التالي، وكيف يتصرف الناس تحت وطأة الأزمات وفي أجواء الطوارئ.
على الرغم من ارتباط البحث العلمي في هذه المجالات بالجوانب الأمنية، وما تعنيه من الحيطة والسرية، إلا أن تاريخ العلوم الاجتماعية، وتحديداً الأنثروبولوجيا، يمنحنا العديد من الأمثلة الواضحة التي تحمل أسماء رموز ومؤسسين وآباء في المدرسة الأنثروبولوجية، كُلفوا بمهام على جبهات القتال، أو مهام استطلاعية قبل دخول الجيوش، ومهام أخرى بعد انتهاء المعارك والحروب. فهذا تشارلز سيليغمان، أحد أبرز رواد الأنثروبولوجيا البريطانيين، كلفته الحكومة البريطانية بدراسة قبائل جنوب السودان، واستمر في بحوثه من العام 1926 إلى العام 1930. وبعد وفاته، أوكلت الحكومة هذه المهمة لأحد تلاميذه الذي سيغدو من أبرز العلماء في هذا المجال، فدرس تلك المجتمعات، ثم أوفد إلى مصر وأجرى سلسلة من البحوث. وكافأته حكومته بوظيفة سياسية مرموقة.
أما جون إمبري، أحد تلاميذ العالم البريطاني الشهير رادكليف براون؛ مؤسس المدرسة الوظيفية البنائية في الأنثروبولوجيا، فقد أُوكلت إليه عدة مهام حول المجتمع الياباني. ومن أهم بحوثه "الأمة اليابانية: المسح الاجتماعي"، و"قرى اليابان"، و"أغاني الفلاحين اليابانيين". وبعد احتلال الولايات المتحدة لليابان خلال الحرب العالمية الثانية، نجد أن إمبري يترك التدريس في الجامعات، ويلتحق بالقوات المسلحة الأميركية الموجودة هناك ليمدها بالمعلومات والبحوث والاستشارات.
الموجة الجديدة من الدراسات الصراعية بدأت مع حروب الغرب الجديدة مطلع العقد الماضي. وعلى أساسها صُممت حملات العلاقات العامة والحملات الإعلامية، وإنشاء المحطات الإذاعية والفضائيات، ومشاريع التحديث والإصلاح السياسي. إذ تأكد أن القوة العظمى في أمس الحاجة إلى بناء معرفة جديدة حول هذا الشرق قبل تغيره. وفي هذه اللحظات نتساءل: كم نحن بحاجة إلى فهم ثقافي للصراعات والاشتباك الذي يحفر عميقا في صلب المجتمعات العربية؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد