فتحت التحولات التي قادها "الربيع العربي" على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، الباب واسعا نحو نقل الصراع بعمقه الثقافي من النخب وقادة الرأي، إلى القواعد الشعبية وعامة الناس. وهذا بحد ذاته يعد حالة صحية، من المنظور الحضاري، في حسم المسائل والقيم الكبرى التي ما تزال تهدر المزيد من العمر الحضاري لهذه المجتمعات. لكن الجانب المظلم في هذا التطور يبدو في كيف يحفر هذا الصراع عميقا، حينما وصل إلى القواعد الشعبية، في خلق التمايز السلبي بين المكونات الاجتماعية والثقافية. ولعل أبرز صور هذا التطور نمو خطاب الكراهية المتزايد بين تلك المكونات، ومحاولات تصديره الحثيثة.
تقدم الثورة المصرية ووصول الإسلاميين إلى السلطة حالة لنمط من خطاب التمايز الذي تحول إلى كراهية تنال نمط  الحياة، والطريقة التي يرى بها رجال الحكم المجتمع والعلاقات بين البشر والمجال الخاص للأفراد؛ انطلاقا من التفسير الديني للمجتمع والحياة الذي تتبناه هذه الجماعة أو تلك. وربما يعد ذلك جانبا من حالة الاستقطاب والانقسام الحادة. 
اليوم، وبعد الثورة الجديدة وعزل الإسلاميين، توجد إشارات وحديث عن غلواء هذا الانقسام وتصديره، مع ازدياد الإشارات على محاكمة الأفراد وفق ما لديهم من رموز دينية أو ثقافية، مثل الحجاب على سبيل المثال. فالخطاب المدني الذي يرفض الكراهية بغض النظر عن مصدرها، عليه الانتباه إلى ردود الأفعال الجارية اليوم من أجل ترشيد الحالة الاجتماعية والثقافية، التزاما بالقيم الديمقراطية.
المسألة الأكثر تعقيدا تكمن في تصدير خطاب الكراهية وترويجه في وسائل الإعلام. إذ تجر وسائل إعلام أطرافا من المجتمع إلى هذه الموجات، وتحديدا في الإعلام الجديد التفاعلي وشبكات التواصل الاجتماعي، وإلى حد ما في بعض وسائل الإعلام المسموع والمرئي. فيما يشكل هذا النوع من الخطاب أسوأ ما يمكن أن توصف به وسائل الإعلام.
المشهد الإعلامي المحلي ما يزال في الحدود المحتملة. لكن تطور النقاشات الغاضبة على صفحات الإنترنت، واللغة القاسية، وتبادل التهديد، والأوصاف التي لم يتعود عليها القاموس الإعلامي ولا اللغة اليومية للمجتمع الأردني، كلها تجعلنا نضع اليد على القلوب. والخطورة المثيرة ظهور لاعبين جدد على خطوط هذه المناقشات، لا نتوقعهم في يوم ما.
من المنظور المهني، يمثل التعامل مع المضامين المحرضة، وتلك ذات الطابع التشهيري، تحديا مهنيا عسيرا، ما يعكس حساسية خاصة؛ أي إلى أي حد نعتبر هذا الأمر دعوة إلى الكراهية، أم جانبا من ممارسة حرية التعبير، ومتى يمكن تضخيم مسألة نشر الكراهية في سبيل الحد من الحريات؟
مفهوم خطاب الكراهية في وسائل الإعلام يعني الدعوة إلى الكراهية والتحريض المضاد على أساس ديني أو قومي أو ثقافي أو اجتماعي. وقد انتشر المفهوم في حروب البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، حينما استخدمت وسائل الإعلام للتعبئة وإثارة مشاعر ساخطة، في أوقات الحرب وما بعدها، وفي أوقات الانتخابات. ويقال إن وسائل الإعلام المحلية الرديئة هي التي قادت الحرب المجنونة في رواندا، والتي حصدت أكثر من خمسين ألف قتيل. ودارت مناقشة عالمية واسعة حول دور وسائل الإعلام في إنتاج خطاب الكراهية، وما مدى تبني وسائل إعلامية لدعوات القادة السياسيين للكراهية، وما إذا كان يمكن التمييز بين الدورين.
الإصرار اليوم على العمق الثقافي والاجتماعي للديمقراطية هو الذي يحصّن الناس من ترويج الكراهية، ومن تقسيم البشر على خطوط التماس بين الأديان والطوائف والجهات. ثمة معارك كبيرة لم نشتبك معها بعد، أهمها على الإطلاق: دمقرطة هذه المجتمعات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد