في أغنية شعبية مصرية قديمة من كلمات سيد درويش، تمت إعادة توزيعها مرات، يردد المغني أنه قضى العمر يخاف على بلده، ولكنّ البلد التي نام أبناؤها ليلة واستقيظوا ولم يجدوها، أصبح الخوف منها وليس عليها. بالفعل اليوم الخوف على مصر والخوف من مصر لا فرق، في وسط أجواء كئيبة تجر البلاد العتيقة إلى حرب عدمية وإلى شبح اقتتال مجاني يخرج مصر من وقارها التاريخي الذي حافظ على السلم الأهلي الذي تشكلت على أساسه أقوى تجربة في الاندماج الاجتماعي في العالم العربي المعاصر.
في أولى المواجهات بعد التصعيد المتبادل سقط أكثر من مائة ضحية في القاهرة والإسكندرية في ليلة واحدة (ليلة الجمعة)، فيما نُذر الحرب الأهلية تدق على الأبواب بقوة. وكما يقال الدم يجر الدم، وهو المصير الذي يفرض على الكتلة الديمقراطية الوطنية في مصرأن تتجنبه مهما كان الثمن؛ فالخيارات المصرية اليوم محدودة بعد أن حصل الجيش المصري على ما يوصف بالتفويض الشعبي بمواجهة العنف والإرهاب، ما يعني عمليا مواجهة تيارات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، حيث من المتوقع أن تبدأ القوى الأمنية المصرية بفض اعتصام رابعة العدوية في أي وقت وبالقوة، حسب تصريحات وزير الداخلية المصرية. في المقايل يستمر التصعيد من قبل الإخوان الذي يوفر عمليا غطاء للسلطة المصرية في المضي قدما في نهج يعني تكرار ما أقدم عليه الإخوان حينما كانوا في السلطة، أي لعبة الإقصاء والتهميش والاحتكار السياسي.
الانقسام في مصر جاء على أساس سياسي وليس محصلة اختلاف عرقي أو ثقافي أو ديني أو طائفي، ما يعني عمليا أن الخروج من هذا المأزق الكبير وتجنيب البلاد مصيرا مجهولا يحتاج الى عمل سياسي كبير يحتمل ثلاثة مستويات قد تعمل معا، وربما من الأفضل أن تتوفر لها كيمياء سياسية وفضاء ثقافي مشترك للعمل، والمقصود مبادرة سياسية عاجلة للمصالحة الوطنية تبدأ من الداخل وتجد دعما ورعاية عربية ومساندة دولية. المهم توفر الإرادة والقدرة على استعادة الكتلة الديمقراطية الوطنية المصرية، أي الكتلة المؤمنة بالديمقراطية مضمونا وأداة للعمل السياسي؛ وهي كتلة عابرة للتيارات الفكرية والسياسية وتلتقي على الالتزام بالديمقراطية، فإذا استطاعت هذه الكتلة استعادة دورها التاريخي، فلا خوف على مصر وستبقى كل التفاعلات الجارية أقرب إلى الصراع من أجل الديمقراطية، حتى إنْ شاب هذا الصراع بعض الدماء.
أما اذا عجز المجتمع المصري عن استعادة هذه الكتلة فالخوف على مصر ومن مصر حقيقي، فالتحولات الراهنة وصلت إلى ذروة الصراع على هوية الدولة ومستقبلها في هذا الجزء من العالم، وتحديدا في العلاقة بين الدين والدولة وقدرة الدين السياسي على استيعاب الديمقراطية، وبالتالي قدرة المجتمع على إعادة التشكل وفق فكرتي الدولة المدنية والديمقراطية. وفي هذا الشأن ستكون مصر هي رأس الحربة التي ستحدد الشكل الذي سوف تحسم به هذه المسائل وما هي الأثمان التي ستُدفع من أجل هذه التحولات وكم من الزمن سوف تحتاج.
مصر العزيزة التي علمت الشرق السياسة والفنون، وأبكت الناس وأضحكتهم وكانت ولادة للحياة والأمل، تبحث عن الطريق للعودة للذات، عن حسم الهوية وسط مخاض قاس غيّر لونها، وتردد اللحن القديم الجديد "يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي، دا مش لون عينيكي، ولا دي إيديكي بدل ما أخاف عليكي، بخاف منك يا بلدي
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية