جاء قرار المحكمة الدستورية الأخير الذي أجاز للموظفين في القطاع العام إنشاء نقابات خاصة بهم، لينهي الجدل والغموض اللذين صاحبا مطالب العديد من الفئات الوظيفية، خلال السنوات الأخيرة، بإنشاء تنظيمات نقابية، رغم أن إنشاء نقابة المعلمين يعد عمليا سابقة كان من المفترض أن تزيل هذه الغشاوة. الأهم من ذلك كله أننا أمام محطة مفصلية في تاريخ العمل النقابي الأردني، من المفترض أن تبدأ قريبا.
تُعد حرية التنظيم النقابي، بدون شك، حقا أساسيا من حقوق الإنسان، وترتبط بمعظم المعايير الدولية لتنظيم العمل. فالمزيد من الحرية، والمزيد من التنظيم للعمل النقابي، سيشكلان إضافة نوعية للتحديث والتنمية والإصلاح، وتحديدا الإصلاح السياسي، حينما نربط الحقوق والحريات والتنظيمات بالقاعدة الإنتاجية. ويمكن أن يقال الكثير حول الخبرة الأردنية على صعيد دور النقابات المهنية والعمالية، لكن الأهم هو الدور الإصلاحي المنتظر ببناء تنظيمات نقابية أوسع وأقوى، وأكثر ارتباطا بأجندة تنموية وسياسية محلية.
لقد نشطت النقابات المهنية الأردنية خلال عقد التسعينيات مع بداية التحولات الديمقراطية، واستطاعت ملء الفراغ التي تركته التنظيمات السياسية، وعلى رأسها الأحزاب التي عانت وما تزال من أمراض مزمنة، ما فتح الباب أمام النقابات لتشكل فاعلا سياسيا أساسيا في مقدمة مصفوفة المعارضة، وجعلها في الواجهة لفترة زادت على عقد ونصف العقد. وقد دفعت الثمن على المستوى التنظيمي وعلى المستوى الفردي لبعض الناشطين النقابيين. بالنتيجة، تراجع وهج النقابات، وأخذ دورها السياسي بالاضمحلال، وهو ما لاحظناه في ضعف دورها في الحراك الشعبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
يرتبط تفسير تراجع دور النقابات بتناقض المواقف من الثورات العربية، والذي انعكس بشكل أساسي على الحراك داخل الشارع الأردني؛ إلى جانب عدم قدرة النقابات على مواكبة الحراك الشعبي الذي تجاوز مطالبها وخطابها، وقبل ذلك الانقسام داخل النقابات ذاتها الذي لم يتمكن على مدى السنوات الماضية من تشكيل نواة لجماعة وطنية ديمقراطية عابرة للتيارات السياسية والأيديولوجية، تؤمن بالديمقراطية وتؤمن بالدولة الأردنية ومنهجها وبرنامج عملها؛ الإصلاح والتنمية معا.
استند الخطاب المناوئ لنشاط النقابات السياسي إلى أطروحة سيطرة الأجندة السياسية الخارجية على الأجندة المهنية المفترض أنها الشغل الشاغل للنقابات. ويُدلَل على ذلك بأن النقابات تحولت في مرحلة ما إلى مجرد إدارة أعمال ومواقف لجنة مقاومة التطبيع.
اليوم، نحن ننتظر حركة واسعة، ربما تحتاج إلى سنوات قليلة، تستفيد من قرار المحكمة الدستورية في توسيع قاعدة التنظيمات النقابية المهنية والعمالية، وتجديد دماء العمل النقابي ونوعيته. وهذا ما سيحدده حجم ونوعية الزحام في مطالب إنشاء النقابات من قبل العاملين في القطاعات الرسمية وشبه الرسمية، والتي ستمتد من مطالب إنشاء نقابة لأعضاء الهيئات التدريسية والعاملين في الجامعات، إلى نقابة عمال البلديات.
إلى جانب مساهماتها السياسية التاريخية والنقابية، فقد أهدرت النقابات الكثير من الوقت والثروات والطاقات التي كان من الممكن أن تبني قاعدة صلبة لدورها التنموي والسياسي، رغم ما تملكه من إمكانات وثروات تتجاوز المليار دينار؛ فلا المدينة النقابية دشنت، ولا جامعة لأبناء النقابيين، ولا مستشفى كبير.
الأساس المهني والسياسي والاجتماعي هو ما يمكن أن تبني عليه النقابات دورها المستقبلي في ضوء التوسع والانتشار المتوقَعَين. ولا يجب أن يُطلب منها التخلي عن أحد هذه الأسس. وإذا ما استطاعت بناء معادلة وطنية جديدة، فهي مرشحة للعودة بقوة إلى الحياة العامة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد