تعد القرارات التي اتخذتها جامعة مؤتة، وقضت بفصل وإنذار 161 طالبا من الذين شاركوا في المشاجرات، بداية الطريق الطويلة للحد من ظاهرة العنف في الجامعات. وعلى الرغم من أن تلك القرارات يفترض أن تكون عادية، إلا أنها في سياق الظرف العام جريئة ومهمة، نتيجة تراجع قدرة الإدارات الجامعية على المبادرة والتغيير، واكتفائها بإدارة الأزمة، وعدم الاقتراب من حلها على مدى سنوات طويلة. فلطالما مرت بهدوء عمليات فصل طلبة، وبالمئات، في نهاية الثمانينيات، حينما كانت الجامعات في عافيتها، وتملك بعضا من قرارها بيدها.
الرهان اليوم على إدارة جامعة مؤتة بأن تصمد فلا تخضع لأي ضغوط مهما كانت، وأياً كان الثمن؛ وأن تواصل العمل التراكمي في استعادة استقلالية الجامعة، وعدم الرضوخ للضغوط الخارجية الرسمية والمجتمعية. فقد حان الوقت لوقف هذا الانهيار الذي يعصف بالجامعات، وأحد مظاهره العنف الطلابي. فهناك ملفات شائكة ضربت سمعة الجامعات ومكانتها ودورها، ولن يتحقق وقف الانهيار بدون استعادة زمام القبض على القانون بأيدٍ لا تعرف الارتجاف.
وإذا استطاعت "مؤتة" تقديم نموذجها في الصمود في وجه الضغوط، ولم تسمح باختراق استقلاليتها، فإنها ستشكل "الدومينو" الإيجابي؛ أي التأثير الذي سينسحب على كل إدارات الجامعات الأخرى. وفي الوقت نفسه، سيغري النجاح في التأثير على مصادر الضعف والتراجع التي تعاني منها العملية الأكاديمية والإدارية، والعلاقة مع المجتمعات المحلية وغيرها. كل المطلوب هو مزيد من الشجاعة والصمود لمجلس أمناء الجامعة ورئيسها وإدارتها، ولا ينقصهم ذلك.
لدينا تاريخ حافل بالقصص والأمثلة على تردد الإدارات الجامعية، ورضوخها للتدخلات الخارجية. وهذا ينسحب على أحداث العنف وعلى غيرها. ولدينا أمثلة على أن الكثير ممن يؤيدون اليوم، وعبر وسائل الإعلام، أي قرارات تتخذها إدارة هذه الجامعة أو غيرها، هم من يحاولون في الغد ممارسة كل الضغوط وأشكال الاحتجاج لإجبار الجامعة على التراجع عن هذه القرارات. المشكلة أن الناس، وتحديدا القوى الاجتماعية، استسهلت التأثير على صناع القرار، فكانت النتيجة بالتالي اختطاف القانون. وهذا الاستسهال المؤسف هو الذي ولّد الاستقواء. تصوروا أن أحد رؤساء الحكومات تدخل بالضغط وهو على رأس عمله، من أجل إلغاء العقوبات في واحدة من أبشع المشاجرات الجامعية!
كانت الجامعات الأردنية الرسمية مضرب المثل في المأسسة وقوة الامتثال للقانون. حينها، بُنيت قوة الجامعات، ودشنت مكانتها الأكاديمية والمجتمعية على هذا الأساس. فالامتثال للقانون هو الذي حمى المجتمع الطلابي من الانقسامات ومن لعبة الهويات الفرعية؛ والامتثال للقانون هو مصدر قوة الإدارات الجامعية التي كانت لا ترضى بإدارات ضعيفة تحتها، وهو مصدر قوة العملية الأكاديمية وجودتها، ومصدر تأثير الجامعة في المجتمع، وليس تأثير من هبّ ودبّ باسم المجتمع في الجامعة.
الدرس الأول في بناء الدول والأمم عنوانه القانون. فالتشريع والممارسة وتأسيس المواطنة، واتزان علاقة الدولة بالمجتمع، تبدأ بالقانون. وتوزيع الثروة العادل، ومنع الفساد، مصدرهما الجوهري القانون. والتنمية العادلة لا تزدهر إلا بممارسة قانونية كفؤة في التشريع والممارسة. وحينما تتوفر للدولة، أي دولة، شروط أن تكون ضامنة لمواطنيها بالقانون، تتوفر لها الطمأنينة الحقيقية مهما أحاط بها من أعاصير.
هذا الدرس أول ما يجب أن تتعلمه هي الجامعات، لكي تعلمنا إياه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد