تروج اليوم رهانات عديدة تتحدث عن اليوم التالي في مصر، معظمها للأسف متشائمة. ويذهب بعضها إلى سيناريو الحرب الأهلية التي يرى هذا الاتجاه أن نذرها تلوح في الأفق، وأكثر تلك السيناريوهات تفاؤلا تتوقع موجة من العنف المتبادل أو ازدياد حدة العنف الذي قد ينال المنطقة بشكل عام. على كل الاحوال ومهما كان اليوم المصري القادم قاتما، فمصر لن تقاد إلى حرب أهلية مهما تعقدت الأمور وازدادت ظلامية الصراع على السلطة.
الكثير من الأصوات التي تحذّر من حرب أهلية سوف يجر إليها المصريون، لم تقرأ شخصية مصر جيدا، فهذا البلد ليس العراق ولا يشبه سورية وحتما ليس ليبيا، فالشخصية المصرية تحافظ على حالة من الاندماج الاجتماعي النادر التكوين في أبعاده التاريخية والجغرافية والدينية والنفسية؛ نجدها في تكوين ثقافي – نفسي صهرته العاديات والخبرات والإنجازات والخيبات على مدى تواريخ طويلة. في الجغرافيا تقع مصر على خاصرة الكون فهي أفريقية وآسيوية وأوروبية أيضا، إنها أقرب بقعة لكل العالم، وهي تاريخيا عربية وإسلامية وفرعونية وقبطية وعثمانية وفاطمية ومملوكية وإفرنجية. هي كل اولئك، وكل محاولات استحواذها من طرف واحد فشلت، بل كل ذلك المزيج التاريخي والجغرافي نسج شخصيتها وهويتها بأنها مصر.
فَهْمُ مصر يبدأ من فهم القيمة العليا للتسامح في الشخصية المصرية عبر التاريخ، ومن قوة الاندماج والقرب الاجتماعي. حدث ذلك في مرات كثيرة في تاريخ هذه البلاد. فهم مصر يبدأ أيضا من الرغبة في الاستقرار التي تمليها طبيعة التكوين التاريخي والجغرافي لمجتمعات الفلاحين الذي يتجلى في مصر بأوضح صوره في الزراعة والعلاقة بالنيل. وعلينا أن نراجع حوادث القرن العشرين المنصرم التي اتسمت بتحولات واسعة، كان العامل المشترك فيها قوة تماسك النسيج الاجتماعي المصري، هذا الذي خلق "المصرية العميقة" وليس "الدولة العميقة" والمتمثلة في خلطة من الوطنية والقرب الثقافي والانسجام الاجتماعي الذي جعل الحراك الاجتماعي بأبعاده الطبقية والثقافية طوال القرن الماضي موجها نحو مصادر التهديد الخارجية، فيما أوجدت الدولة المصرية الحديثة والمعاصرة ومنذ محمد علي المجتمع المصري بالمفهوم العلمي والثقافي وليس المجاميع الاجتماعية كما هو الحال في معظم البلدان العربية، لذا فالمخاض المصري قد يعكَّر ببعض الدماء ولكن لن يذهب إلى دوامة الاقتتال الداخلي؛ مصر لا تقبل القسمة إلا على نفسها ولا تقبل الاحتكار ولا الإقصاء ولا التهميش، فمصر لن تنزلق الى حرب أهلية مهما اشتدت الأزمة.
فهم اللحظة التاريخية الغامضة للتحولات العربية المريبة يبدأ ايضا بفهم مصر، أي البلاد المهيَّأة أكثر من غيرها لحسم العقدة التاريخية في العلاقة بين الدين والدولة. اليوم يبدو أن التفاعلات المرتبطة بالدين السياسي في الشرق العربي هي أكبر التحديات التي تواجه هذه المجتمعات، سواء كان ذلك في الصراع حول الحاضر والمستقبل بين الدولة الدينية والدولة المدنية أو الصراع السياسي الطائفي المغرق في التوظيف والتعبئة الشعبية، بمعنى أنْ لا مستقبل للديمقراطية ولا التنمية بدون اقتراب اجتماعي وثقافي من هذه العقدة. وكلما تم تسخين حدة الصراع حولها اكتشفنا حجم تعقيد هذه المسألة ومدى الحاجة الفعلية لحلها.
المصريون هم الأكثر تأهيلا للإجابة عن أسئلة تلك العقدة؛ هل يمكن أن تتحلل مركبات هذه العقدة بأدوات الديمقراطية وبفعل التغير الاجتماعي والثقافي التدريجي؟ وهل لديهم فرصة ليتجنبوا لعبة الدماء التي قد تكرّس العقدة أكثر من حلها؟ هذه لحظة مصر .
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد