تزداد تسريبات الأخبار والمعلومات عن دور أردني محتمل، بشكل أو بآخر، في الحرب المنتظرة على سورية؛ سواء في حدود الضربة الجوية وتداعياتها، أو في أتون حرب برية ترى بعض التقديرات أنها الهدف الحقيقي الذي سيكون لا بد منه من أجل إسقاط النظام. ومن هذه المعلومات ما سُرّب عن مناقشات اجتماع قادة جيوش عربية وغربية في عمان نهاية الشهر الماضي. هذا فيما لا تتوقف أشكال الضغوط التي تمارس على الأردن للقبول بموقع متقدم في أي عمل عسكري مقبل. 
وعلى الرغم من استمرار الرفض الرسمي لهذا المطلب الذي تمارسه أطراف عربية أكثر من الغرب، فإن مواقف الأردن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة شهدت انزياحا واضحا لا يمكن إنكاره استجابة لهذه الضغوط، وإن لم تحسم عمان بعد خياراتها إذا ما دقت طبول حرب شاملة في المنطقة.
بقيت المقاربة السياسية والاستراتيجية التي حكمت مواقف الأردن من الصراع على مستقبل سورية، محكومة بتقدير واضح ودقيق، وهو الحياد الإيجابي لصالح الشعب السوري والدولة السورية، ومع انتقال سياسي سلمي؛ إلى جانب إدراك عميق بأن نظام الأسد سيبقى لأطول فترة من عمر الصراع. كانت هذه المقاربة هي الأكثر صوابا ودقة بين كل التقديرات الدولية والإقليمية، وقد اختبرتها الأحداث على مدى أكثر من عامين ونصف العام.
هناك فرق بين التقدير الاستراتيجي وبين المغامرة الاستراتيجية. فمحاولة جر الأردن لمواقف سياسية وعسكرية تصعيدية مع النظام السوري وحلفائه، وتحديدا حزب الله وإيران، تعني مغامرة استراتيجية، حاول الأردن دوما تجنبها. إذ بنت الأحداث في المنطقة نوعا من الهيبة والردع المتبادل الذي جعل الأردن دوما خارج ساحات هذه القوى ومخططاتها. الحياد الأردني الإيجابي هو نتيجة الاستثمار في قوة الأردن السياسية، والابتعاد عن سياسة الاستعداء، وهذا سر قوة دولة صغيرة، استطاعت أن تعيش وتصمد وتزدهر في بيئة هي أقرب إلى محرقة سياسية من الصراعات التي تحيط بها. والحياد الأردني الإيجابي في حروب العراق، شكل واحدة من أكثر لحظات اختبار قوة هذه المقاربة. علينا أن نتذكر ماذا لو ذهب الأردن إلى حفر الباطن قبل أكثر من عقدين؛ وماذا لو فتح الأردن حدوده البرية لعبور الدبابات الأميركية إلى بغداد. أي ثمن سياسي سيكون أقل من نتائج المغامرة الاستراتيجية.
مصدر القلق أن يتحول الأردن، في لحظة ما، إلى بيضة القبان بحكم الجغرافيا. فإذا ما وصلت المهمة الأميركية إلى طريق مسدودة على صعيد تغيير النظام في دمشق بواسطة الضربات الجوية، ستكون الأراضي الأردنية حينها أقرب الطرق لعبور الدبابات الأميركية إلى دمشق. هنا علينا أن نقرأ مسودة قرار الكونغرس بتفويض الإدارة الأميركية تنفيذ الضربات الجوية لمدة 60 يوما، تمتد إلى 90 يوما؛ أي إننا أمام عملية عسكرية طويلة، وليست مجرد ضربات جوية خاطفة. فيبدو أن المهمة عُدّلت من عمليات عسكرية عقابية محدودة تفضي إلى الحل السياسي، إلى حرب جوية واسعة، وبنفس طويل، هدفها استنزاف ما تبقى من قدرات النظام السوري، لتفضي في نهايتها، أو في مرحلة من مراحلها، إلى إبقاء خيار التدخل البري واردا.
هنا تعمل ماكينة سياسية ودعائية كبيرة على تسخين الأردن الرسمي والشعبي للاستعداد، ربما، لسيناريو مشابه، من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية، وأخيرا الدعاية والتسريبات الإعلامية، ومنها سياسة التوريط بالتصريحات والأقوال، أكثر من التورط بالأفعال.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد