في الثامن من أيلول (سبتمبر) من كل عام، يحتفل العالم بيوم محو الأمية الأبجدية؛ إذ ما يزال في العالم نحو 800 مليون إنسان يعانون الأمية، أو ما نسبته واحد من كل خمس أشخاص، ثلثاهم من النساء. ويعيش حوالي 
70 % من هؤلاء في أفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب وغرب آسيا، والدول العربية. وفي الوقت الذي وصلت فيه نسبة الأمية في العالم العربي إلى 28 %، وهي البلاد التي أوجدت الأبجدية لأول مرة، فإننا نجد أكثر من 65 % من أولئك هن نساء أميات. هذه الكارثة تمتد إلى أشكال أخرى من الأميات؛ فلا تتوقف عند الأمية الأبجدية، بل يمكن أن نرى في المشهد خمس أميات أخرى. ثمة أشكال متعددة من الأمية بات المرء يدركها في اشتباك العالم العربي ومجتمعاته مع العالم ومع التغيير، على رأسها الأمية السياسية. إذ ما تزال المجتمعات العربية أكثر مجتمعات الدنيا صراخا وكلاما في السياسة، لكنها أقلها ممارسة للسياسة بالفعل! وإن فعلتها وأحدثت قطيعة مع تاريخ الغياب عن السياسة، فإنه من السهل أن تخطف من بين أيديها. فالأمية السياسية تبدو في أننا لم نُنزل السياسة من الأبراج العاجية للنخب إلى الأرض، أي إلى الناس الذين يفترض أن يكونوا مادة السياسة ووسيلتها وغايتها.
هنا تبدو الأمية الديمقراطية واحدة من العناوين العريضة التي أثبتتها التحولات العربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة. إذ نضيف محو الأمية الديمقراطية إلى قائمة الأميات الطويلة؛ أي أن نبحث عن عمق الديمقراطية في القواعد الاجتماعية العريضة، بحيث يكون حضور المطالب الديمقراطية ليس مجرد حضور وعمل نخبويين، بل يذهب عميقا في المجتمع والحياة اليومية وفي الثقافة الشعبية، ويتجسد في المجتمع المدني الفاعل. فالعمق المجتمعي للديمقراطية يعني التحول الكيفي العظيم الذي يجعل من الانقسامات الاجتماعية الحادة، حول الأديان والمذاهب والإثنيات والثقافات الفرعية وغيرها، حالة من التنوع داخل الوحدة، وبالتالي مصدرا للثراء وقوة المجتمع.
للأسف، الأمية الديمقراطية والسياسية لا تتوقف عند حدود وسلوك الناخبين، بل الأخطر من ذلك كفاءة وممارسات المرشحين. فأمامنا طريق طويلة في تعلم السياسة والديمقراطية، ترجعنا إلى مقولة أفلاطون القديمة: "إن الثمن الذي يدفعه العامة والطيبون لقاء عدم مبالاتهم بالشؤون العامة، هو أن يحكمهم الأشرار".
وعلى الرغم من حجم التهويل الذي رسمته الدعاية السياسة لدور الإعلام الرقمي في التحولات العربية منذ العام 2011، إلا أن حجم الاستهلاك العربي للمنتجات الرقمية فتح العيون على نقاط سوداء، هي نتيجة الأمية الرقمية العربية. فاللغة العربية، رغم ما شهدته من نمو على شبكة الإنترنت، ما تزال من أفقر اللغات حضورا على الشبكة، كما ونوعا؛ الأمر الذي يذهب بنا في الخيال السياسي والاجتماعي كيف تعمل هذه الأمية في رسم مصير الأجيال المقبلة.
في التحولات العربية، اكتشفنا أمية خامسة، هي الأمية الإعلامية؛ وهنا حدث ولا حرج! كيف امتهنت وسائل الإعلام تعليب عقول الناس، ومحاولة تصنيع الرأي العام؛ وحينها اكتشفنا أن الحرية وحدها لا تكفي.
وفي الأمية الإعلامية، كشفت التحولات العربية حجم الغمامة على عيون الناس، وكم يحتاج البشر في هذا الجزء من العالم إلى وقت كي يعبروا، وماذا يحتاجون من معرفة كي يتخلصوا من الأحكام الجاهزة والنمطية والتعميم، وتعلم التفكير النقدي في التعامل مع تدفق هائل من المعلومات، ومع حالات من الإغراق الإعلامي المبهرة والظالمة في الوقت نفسه. 
لعل خلاصة معاينة هذه الأميات الخمس في هذه اللحظة التاريخية، تصدم جيلنا الذي تربى على فكرة مركزية صادمة خانقة، مفادها أن الحرية وحدها لا تكفي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد