ما يحدث في العالم العربي يؤكد أن القادم أخطر من القائم الحالي. والأدلة التي تؤكد ذلك نشاهد تعبيراتها، سياسيا واجتماعيا، بشكل يصعب معه في ظل الأوضاع الراهنة متابعتها.
وليست قضية المتابعة ترتبط بتعقد المسألة وحدها، بل تتعلق كذلك بتداخل الأطراف الدولية فيها، والتباس مفاهيم الديني بالسياسي والقومي بالوطني. وهذا بدوره زاد من حركة تحول المجتمعات نحو البداوة أو نحو الطائفة، بحسب البنى الاجتماعية التي تشكل هذا القطر العربي أو ذاك.
قبل يومين، عقدت حوارية مهمة جدا في منتدى الفكر الاشتراكي في عمان، من ضمن ما تناولته، التحولات الاجتماعية في الوطن العربي. ولعل اللافت للنظر في الحوارية تسليطها الضوء على فكرة التحولات التي تجري بوتيرة متسارعة، لتغيير بنية المجتمع العربي سياسيا واجتماعيا، لمصلحة مشاريع تفكيكية جديدة، تسعى إلى القضاء على مفهوم الأمة، ومفهوم القومية العربية، ومفهوم الدولة الوطنية؛ أي العودة إلى مجتمعات ما قبل الدولة، حيث الصراع بين الطوائف والقبائل والأعراق هو الذي يتصدر المشهد، حتى ولو ترفل بثوب إسلامي أو ليبرالي جديد.
وتلك التعبيرات تبدو واضحة بشكل رئيس في العديد من أجزاء وطننا العربي. ففي الحالة التونسية، بدا أن المشهد هناك يعيش في الآونة الحالية تحولات خطيرة على الصعيد السياسي. إذ تلوح في الأفق نذر صراع داخلي مسلح، بعد أن صعدت كل من الحكومة والمجموعات السلفية خطابهما. وترافق ذلك مع أعمال عنف تقودها عناصر سلفية مرتبطة بتنظيم القاعدة، أدت إلى وقوع عدد من الضحايا بين قوات الأمن التونسية، وليدفع هذا التطور الخطير غالبية الأوساط السياسية إلى التحذير من دخول تونس في دوامة العنف والإرهاب المسلح. وفي المحصلة النهائية، فإنه إذا ما تطورت حالة العنف، فستكون تونس مرشحة للدخول في الفوضى، والعودة إلى عصر ما قبل الدولة.
كذلك، فإن مصر في وضع لا تحسد عليه. فلملمة الجراح لم تتم بعد، والشارع في تصعيد سياسي تصاحبه توترات اجتماعية. كما تسود حالة من الفلتان الأمني، ليس أدل عليها من اختطاف سبعة مجندين في شبه جزيرة سيناء.
والعراق هو الآخر يعاني ما يعاني من تفجيرات دامية، وشلال الدماء فيه لا ينقطع، وشبح التقسيم والدعوات الانفصالية يطرحان نفسيهما بقوة، وهما اللذان يتصدران المشهد السياسي المصحوب بالدماء، رغم كل المحاولات الساعية إلى مداواة الجرح العراقي النازف، بعد أن نجحت الولايات المتحدة وانصارها في تكريس الطائفية، وتعزيز النزعة الانفصالية بين أبناء العراق.
أما الحال في سورية، فحدث ولا حرج! فالكل يتهافت على إنهاء سورية الدولة؛ سورية الشعب، سورية العرب. وتتعدد التسميات وتختلف الأساليب، ولكن يبقى هدف واحد: لا مكان تحت الشمس لكل من لا يلتحق بركب بدونة المجتمع العربي أو تطييفه، وحتى تكتمل مقاطع المشهد ويجري نحر فكرة العروبة من أصلها.
ولكن ينسى كثيرون أننا أمة لو صُبت عليها جهنم، لظلت واقفة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن