وسط المركّب المعقد من المصالح والمصائر المعلقة على بندول الساعة السورية، يبدو الشرق الأوسط القادم ليس قابلا لاحتمالات متعددة وغير متوقعة، بل أكثر ما يمكن أن يحدث لن يكون صادما. فاليوم، تبدو الحركات الدرامية في الجغرافيا السياسية، والتي طالما تحدثت عنها السيناريوهات والتقارير السرية والتسريبات الإعلامية منذ عقود، أمورا عادية، وأقرب ما يمكن أن تكون في التقسيم ونشوء كيانات جديدة، والمزيد من الاقتتال.
يبدو أن كل التحولات تشير إلى عنوان واحد في نهاية المطاف، هو مصير القضية الفلسطينية: التصفية، أم إدارة الصراع والأمر الواقع. وهو العنوان الغائب عن كل التحولات في الوقت نفسه. إذ لاحظنا كيف قادت الأزمة السورية في نهاية المطاف إلى خدمة التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، كما فعلت حروب العراق وحصاراتها وتفكيك الجيش العراقي؛ فتبرز في كل مرة فكرة أمن إسرائيل على رأس الأولويات في نهاية النهار.
بضائع سياسية كثيرة في سوق السياسة والسياسيين، وملفات قديمة وجديدة، لكن لا جديد حولها؛ كل ما يحدث هو تدوير سياسي وإعادة إنتاج لما قيل منذ سنوات طويلة. هذه البضائع الراكدة اليوم، كالأسلحة الراكدة منذ عقود، يراد التخلص منها لهدف واحد وأساسي هو التفريغ؛ أي تفريغ المنطقة من القدرات الفعلية والوهمية، واستدامة فكرة التفرد الإسرائيلي.
من المنتظر أن تدخل تلك البضائع السياسية مرحلة إعادة تخزين طويل حتى الشتاء المقبل، بينما تطفو على السطح بضائع سياسية خفيفة وطارئة؛ كأن تُختصر إعاقة إسرائيل لجهود التسوية وعرقلتها التاريخية والمنتظمة لحل الدولتين، في مجرد مسألة إعاقة الفلسطينيين من الوصول إلى مزارعهم! أو حدث درامي على بوابة المسجد الأقصى. بينما ستبقى تطفو على السطح بضائع سياسية رديئة، تختصر توازن الضعف الذي يسود العالم، وعدم جدوى تكديس الأسلحة، بنوبة جديدة من الدوار الذي تخلقه دورة الأخبار حول "القاعدة" وقصصها.
العالم يبحث عن تهدئة سياسية على مختلف الجبهات، باستثناء الشرق الأوسط. عدا ذلك، ثمة رغبة مشتركة تقودها القوى الكبرى في تجنب الدخول في أحداث كبيرة، أو أزمات مفاجئة؛ فالكل ينتظر. سياسياً، هناك حالة من توازن الضعف تسود العالم، بفعل موجة العسكرة الهائلة التي لم تمارسها الولايات المتحدة وحدها على مدى عقدين، بل مارستها أيضا روسيا والصين، وبعض الأطراف الأوروبية؛ هناك ترقب لبرنامج العمل الأميركي الجديد لإدارة العالم، وما إذا كان ثمة فرص له.
كل الأخبار السيئة تأتي من الشرق الأوسط؛ من حروب وضربات عسكرية، مرورا باقتتال داخلي وكراهية متبادلة، وأزمات واغتيالات وتفجيرات يومية. لكن الأكثر سوءا هو أن تجد في نهاية النهار ما يشبه التواطؤ العالمي مع ما يحدث، بدون وجود الحد الأدنى من الوضوح الأخلاقي.
ثمة حالة شك تتنامى وسط النخب العربية بأن "الربيع العربي" لم يُختطف وحسب، بل تحول الى سلم لتدمير منجزات المجتمعات العربية، وليس النظم السياسية. ولعل أهم ما يُدمر اليوم هو فكرة الاندماج الاجتماعي والسلم الأهلي، فيما يغيب الوضوح الأخلاقي عن مستقبل كل الكلام المرسل الذي قيل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلاقة كل ذلك بآخر قضايا التحرر في العالم؛ ما يطرح السؤال المقلق: هل عاد المجتمع الدولي ليمارس فساده السياسي من جديد بكل وضوح، في جزء من العالم؟!

 

بقلم: د.باسم الطويسي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد