صَدم وزير التربية والتعليم الكثيرين حينما أعلن من على شاشة التلفزيون الرسمي أن التقارير تتحدث عن 20 % من طلبة المدارس الحكومية يصلون إلى الصف الرابع دون أن يعرفوا الكتابة والقراءة أو مبادئ الحساب الأولية، وعادة ما يرفعون إلى الصف التالي ضمن سلسلة التجهيل المعتادة. المفاجأة الثانية التي تحدث عنها الوزير أن 55 % من طلبة التوجيهي هذا العام هم من خريجي ما يسمى مسار المعلوماتية وهو مسار هجين لا هوية ولا محصلة معرفية يعتد بها. وهم اليوم المكون الأساسي لطلبة الجامعات. ما يفسر جانبا من أزمة هذه المؤسسات.
شخصيا لم أفاجأ من سماع تلك الحقائق، فلقد صدمت بوقائع أكثر مرارة؛ قبل نحو عامين طلب مني أحد طلبتي في إحدى جامعات الجنوب طلبا غريبا، مبررا ذلك أنه أخفق في المادة الدراسية ثلاث مرات من قبل، كان طلبه أن يقدم الامتحانات شفهيا وليس كتابة، بعد أن حفظ المادة هذه المرة عن ظهر غيب، لماذا؟ كان يخفق في كل مرة لأنه لا يعرف الكتابة، السؤال كيف يصل هؤلاء الى الجامعات؟
تراجعت مكانة الأردن آخر ثلاث سنوات وفق المقياس الدولي الذي يتابع قدرات طلبة المدارس في مادتي الرياضيات والعلوم، بعدما حافظ الأردن على تقدمه على مستوى الشرق الأوسط لسنوات طويلة، ولم تعلن إلى اليوم نتائج امتحان الكفاءة لطلبة الجامعات الذي أجرته هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي قبل أكثر من خمسة أشهر.
المناهج التعليمية تعكس جانبا مهما من أزمة التعليم العام التي شهدت تشويها واضحا خلال السنوات الماضية، نحصده اليوم في تراجع مستويات الطلبة وضعف تحصيلهم بل عمليا في زيادة نسب الأمية. صحيح أن المنهاج ليس الكتاب، لكن الكتاب المدرسي اليوم يقدم صورة واضحة ومفارقات عجيبة عن التشوهات التي تعصف بالنظام التعليمي، فالطلبة لا يتعلمون الحروف الهجائية بالطريقة التي تؤهلهم للقراءة والكتابة. جولة سريعة في كتب الصف الأول الابتدائي تجدها تقدم بيئة غريبة عن الطلبة ومحيطهم؛ فطلبتنا يعرفون شكل الحمار الوحشي وحيوانات الغابات البعيدة أكثر مما يعرفون الحيوانات في البيئة المحلية، والصورة الأكثر انتشارا لأطفال كتاب القراءة للصف الأول هم أطفال بدناء تبدو السمنة واضحة عليهم.
عودة إلى حقيقة أن 20 % من طلبتنا يصلون إلى الرابع الابتدائي وهم أميون، فإن هذا لا يحتاج الى مجرد خطة ونوايا حسنة بل الى طوارئ حقيقية، تعيد ترتيب الأولويات الوطنية من جديد والاستدارة الجادة نحو سياسات إصلاح التعليم العام وإلى رؤية وطنية كفؤة تخطط لمستقبل البلاد لربع القرن القادم، أنطلاقا من فهم دروس الصفوف من الأول الى الرابع، فإن لم نقرأ هذه المرحلة جيدا فلن نستطيع أن نقرأ أو نحسب على المستوى الوطني وفي كل المراحل. الى جانب الرؤية تحتاج سياسات الإصلاح إلى موارد حقيقية. علينا أن نراجع حجم التراجع الذي لحق بالإنفاق على التعليم خلال السنوات الأخيرة وإلى أين ذهب؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد