المتتبع لمسار الأحداث في مصر، يصل إلى نتيجة مفادها أن الفرصة التي منحها الشعب المصري لجماعة الإخوان المسلمين لحكم مصر، لم تتمكن فيها من تحقيق الحد الأدنى من الرضا الجماهيري عنها. وذلك لعجز هذه القوة السياسية عن الخروج من مربع التنظيم الضيق، إلى فضاء الدولة التي تنتظم في سياقها كل مكونات المجتمع المصري. 
فقد خسر "الإخوان" خسارة فادحة عندما قرروا أن يرسموا عناوين خاصة بهم للدولة المصرية، وفق المخطط التنظيمي الذي يتبع "الجماعة". ما أدى إلى إغفالهم تفاصيل مهمة في شكل ومضمون المستقبل السياسي لمصر، وكانوا يعتقدون أنها ليست ذات أهمية كبيرة، ولذلك سيستمرون في الحكم، وبالتالي تحقيق الحلم الأكبر للجماعة بدولة "إخوانية" من المحيط الى الخليج يكون المرشد فيها الرئيس الروحي للجميع، وتكون سلطته مطلقة على باقي الولايات الدينية.
ولكن هذا التفكير الكامن في ذهن "الجماعة" لم يكتب له النجاح، وسقط سقوطا مدويا عندما خرجت ملايين الجماهير المصرية إلى الشارع، رغم كل الدعايات التي كان يطلقها الإخوان المسلمون وأنصارهم بأن من خرجوا الى الميادين والشوارع في مصر لا يتجاوزون بضع مئات الألوف.
والحقيقة هي أن الملايين كانت في الشارع، ما استدعى من الجيش المصري التحرك للحفاظ على هذا الطوفان البشري الذي كان ينتظر كلمة الحسم التي قام بها الجيش بعزل محمد مرسي الذي كان من الأجدر به، وبباقي قيادات الإخوان المسلمين، التنبه والتعجيل بتلبية مطالب الشارع المصري والقبول بانتخابات رئاسية مبكرة.
ولكن سبق السيف العذل، ولم يتمكن الرئيس والمرشد العام، وباقي القيادات في "الجماعة"، من التقاط هذه اللحظة التاريخية التي شكلت منعطفا كبيرا في مستقبل جماعة الإخوان المسلمين بأسرها؛ ليس في مصر وحدها، بل إن انعكاساتها طالت جميع أذرعها في المنطقة العربية.
ورغم كل المحاولات لتفادي المزيد من الخسائر لمستقبل مشروعهم السياسي  في مصر؛ عبر البقاء في الشوارع والميادين، والحديث عن الانقلاب على الشرعية، ومحاولتهم إلى جانب بعض القوى السلفية الأخرى، جر مصر إلى مربع العنف، وتحويلها إلى سورية ثانية، إلا أن ذلك لن يجدي نفعا، ما لم يدخل "الإخوان" في مصر في العملية السياسية الجارية في مصر الآن، والقبول بالخسارة التي صنعوها بأيديهم.
فالجيش المصري عندما اتخذ قراره بخلع مرسي كان ذلك نتيجة حتمية لضغط الشارع المصري. وخوفا على مصر من دخول دائرة العنف، لجأ الجيش إلى هذا الحل الذي لم يكن ليرضي المؤيدين لبقاء مرسي في الحكم.
فقد حاول "الإخوان" بكل الوسائل المتاحة، والجيش الإعلامي المناصر لهم، تقديم ما حدث على أنه انقلاب على الشرعية، ولكن كيف تكون الشرعية حقيقة موضوعية في ظل وجود الملايين في الشوارع؟ سؤال لم يتمكن المرشد والرئيس من تقبل حقيقته على أرض الواقع، ما أدى إلى الإطاحة بدولة "الإخوان"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن