على الصعيد النظري، تكون الإجابة سهلة عن هذا السؤال المطروح الذي بات في حكم المؤكد أن علينا مراجعة من "نحن" واقعيا وعمليا في سلوكياتنا اليومية وكذلك في طريقة تفكيرنا وحتى في رسم مستقبلنا الذي يلفه الغموض.
فالقصة لم تعد أننا شعب بطبيعته انقسامي فقط، يهوى الانقلاب على نفسه وأفكاره ومعتقداته، وحتى على أشقائه في إطار العائلة الواحدة، ولعل التسرع في الإجابة والقول بأننا عرب مسلمون، يحمل كثيرا من المضامين التي تكون فيها مجازفة في إطلاق هذا المسمى على مجموعات متناحرة؛ لا تملك من قيم الإسلام والعروبة سوى بعض الرتوش، التي لا تقدم ولا تؤخر في طبيعة مشهد التراجع والانحدار، على المستوى القيمي والأخلاقي الذي نعيشه.
لقد سمحنا لأنفسنا أن نكون مطية لباقي الأمم، ولا نملك من قرارنا السيادي أي شيء، وننتظر تعليمات الغرب في رسم مستقبلنا، ونحجّ إلى البيت الأبيض للحصول على البركات، وننتظر هاتف السيد من البيت الأبيض ليحل مشاكلنا العالقة ويرسم لنا خريطة الطريق، وحتى في أدق التفاصيل وأكثرها خصوصية، سمحنا لهم بأن يدخلوا أصابعهم!
وانشغلنا على الصعيد الداخلي برسم صورة لشكل المؤمن والكافر، والطيب والشرير، والعدو والصديق، وكل هذه الرسومات غلفناها بأطر دينية وثقافية لا تمت إلى روح الإسلام أو جذور الثقافة العربية في شيء.
فقد خلقنا هذه الفزاعات الوهمية، لنسهل عملية الذبح التي نقوم بها لكل ما يتصل برسم مجتمعات موحدة متضامنة متحابة، تسعى للخروج من نير العبوديات والأفكار المغلقة إلى رحابة الفضاء الأوسع الذي يستوعب كل تناقضات المجتمع، وأصررنا على أن نبقى مقيدين أنفسنا بمقولات لا نعرف مدى صدقها أو مواءمتها لأرض الواقع أو حركة المجتمع والتاريخ.
القيم الإيجابية التي تندثر بسرعة في مجتمعاتنا، تؤكد أننا إذا ما استمررنا في هذا الطريق المظلم فإننا حتما إلى زوال، وإننا سنصبح أمة على وشك الاندثار ما لم تجدد ذاتها، وتتمسك  بقيمها القومية والدينية التي تحقق لها التقدم  والتحرر، وتكون هذه القيم الضامن للبقاء في عالم يحكمه الصراع والبقاء للأقوى، وضمن هذا السياق الذي يعي من نحن نستطيع أن نحدد هذا "النحن" الذي بدا من المخيف في ظل هذه الظروف أن يبقى موحدا ضمن إطار الجماعة الواحدة وليس المجتمع.
التمنيات التي نسمعها بأن وحدة وصلاح الأمة لا يكون  إلا بالعودة إلى الجذور، لا يمكن لها أن تصمد على أرض الواقع ما لم تصحبها حركة إصلاح وتغيير جذري في بنية التفكير السائد، وتبنّي منظومة قيم سليمة، وبناء دول وطنية قوية تكون فيها السلطة للقانون، وليس دولا بوليسية، ويكون الناس شركاء في بنائها وحكمها، عند ذلك نستطيع الحديث عن مجتمعات خرجت من ثوب التبعية إلى ثوب التحرر. لكن في ظل البكائيات والانقسامات، وتخريب الأوطان، من أجل مصلحة الفرد، أعتقد أننا سنعيش خارج التاريخ.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن