خلف أطروحة ازدواجية المعايير التي تحكم عمل مجلس الأمن الدولي، وفشله في إرساء السلم والأمن الدوليين، ذكر بيان الخارجية السعودية ثلاث قضايا فشلت فيها الأمم المتحدة، لتبرير اعتذار المملكة عن قبول عضوية مجلس الأمن غير الدائمة للعامين المقبلين. هذه القضايا هي فشل الأمم المتحدة في جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي، في إشارة إلى الملفين النوويين الإيراني والإسرائيلي؛ والفشل التاريخي لدور الأمم المتحدة في القضية الفلسطينية، والإشارة هنا إلى الإهمال الذي تشهده المبادرة العربية للسلام منذ أكثر من عقد، وهي أجرأ عرض عربي لحسم الصراع قادته السعودية؛ وأخيرا المصير الذي وصلت إليه الأزمة السورية من المنظور السعودي في ظل التوافق الدولي الذي حصر الأوضاع في سورية بتدمير المخزون الكيماوي.
تلك الرسائل الرسمية المعلنة التي فاجأت الخارجية السعودية بها العالم بعد ساعتين من التصويت على العضوية، في سابقة غير مألوفة في العلاقات الدولية. وفي العمق، يبدو أن الموقف الأممي والدولي من الأزمة السورية هو الرسالة الأولى والأهم. إذ شكل التوافق الدولي الراهن غصة للدبلوماسية السعودية، وتحديدا في العلاقات مع الولايات المتحدة؛ شريكها الاستراتيجي، إضافة إلى ما يحمله التقارب الإيراني-الأميركي من إشارات خطيرة. ما يعني أننا أمام لحظات فارقة في العلاقات بين الحليفين، يمكن تلمس بعض صورها في المواقف مما يحدث في مصر أيضا.
جربت الدبلوماسية السعودية ممارسة رياضة قاسية في تصعيد المطالب العربية، منها الموجة الدبلوماسية الأعلى التي خاضتها المملكة في أواخر عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وأوصلت المفاوض العربي آنذاك إلى واحدة من أكبر الفرص السياسية. وهو ما يفسر جانبا من أسرار الهجمة القاسية والحرب الدعائية الثأرية التي واجهتها السعودية داخل الولايات المتحدة بعد أحداث تفجيرات العام 2001، والتي أفرغت كل تلك الجهود من مضمونها.
من الواضح أن الأشهر المقبلة ستشهد تحولات جديدة في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي زُرعت بذوره عمليا. وسيكتشف العرب أن فرضيات التوازن التي سادت خلال العقود الماضية قد انتهت من دون رجعة، نحو توازنات جديدة يقودها الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون. بينما ستقود حالة التوافق الدولي الهش إلى المزيد من الفراغ السياسي الإقليمي والمحلي، وهو ما تخشاه السعودية وغيرها.
إذ بات اللاعبون الإقليميون العرب فاقدين للبوصلة، والدليل أكثر من أي وقت مضى أنه منذ قرابة أربعة عقود لم يتوقف جدل المبادرات والمباريات السياسية، وإن استبدلت أحيانا الكلمات بالطلقات. السعوديون باتوا وحدهم، ويدركون بفعل الفطرة السياسية والعمق التاريخي ماذا يعني استمرار تراكم الفراغ السياسي في المنطقة، وما هي خطورته.
الفراغ السياسي السائد اليوم يجعل المهمة السعودية الراهنة على درجة عالية من الدقة والأهمية في إعادة رسم التحولات الإقليمية، والخروج من حالة فقدان الوزن التي دخلت المنطقة فيها بفعل تداعيات "الربيع العربي". ومع تضاؤل فرص بناء عقل استراتيجي عربي يستجيب لهذه التحولات، تبقى المهمة غير مستحيلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد