تبدأ غدا (الاثنين) محاكمة الرئيس المصري المعزول الدكتور محمد مرسي وسط ترقب دولي وحذر إقليمي، مقابل حالة تخوف أمني داخلي ونقاش ساخن حول مدى شرعية هذه المحاكمة. المشهد من القاهرة يختصر حالة التطرف السياسي التي يشهدها العالم العربي وتوظف في سبيلها الأديان والطوائف والسياسة والجيوش والمحاكم والقضاء، أي كم نحن نبتعد كل يوم أكثر عن فكرة القبول والتعايش بالحد الأدنى بعيدا عن منظومة النفي والإقصاء والاجتثاث التي شهدتها العراق وليبيا وحاليا مصر.
التطرف السياسي أكثر من التطرف الديني هو الذي قاد جماعة الإخوان المسلمين إلى هذا المصير، وهو الذي يوقعهم هذه الأيام في لعبة الشيطنة السياسية وتحويلهم إلى فصيل دموي، فقد شهدت الساعات الأخيرة في القاهرة وفي مدن مصرية أخرى حوادث شغب وصفت بأنها (إرهابية) منها الاعتداء على كنائس ومواجهات مع الأقباط أو الإساءة للجيش المصري، بالتزامن مع  تنظيم مؤتمر فى العاصمة النمساوية فيينا، قيل إنه شهد تحريضا صريحا للمجتمع الدولي ضد الجيش المصري ومطالب بتدخل الغرب.
في المقابل يستمر التطرف السياسي للسلطة السياسية التي يسيطرعليها عمليا رموز الجيش المصري، فيما لا تجد محاكمة الدكتور مرسي توافقا حتى داخل النخب القريبة من أجواء 30 يونيو الأخيرة ، فلا يوجد بالمعنى الشرعي مبررات للمحاكمة غير كونها محاكمة سياسية وهذا يستدعي تداعيات غير متوقعة.
 لن تضيع مصر بين (التمجيد المبالغ فيه والتظلم المبالغ فيه)، لكن ستدفع الثمن السياسي والاقتصادي بالمزيد من التأخر وهدر الزمن الحضاري والمزيد من التهميش الدولي، ما تزال مصر تملك الكثير من الوقار التاريخي الذي حافظ على السلم الأهلي الذي تشكلت على أساسه أقوى تجربة في الاندماج الاجتماعي في العالم العربي المعاصر.
الانقسام في مصر جاء على أساس سياسي، وليس محصلة اختلاف عرقي أو ثقافي أو ديني أو طائفي، ما يعني عمليا أن الخروج من هذا المأزق الكبير وتجنيب البلاد مصيرا مجهولا، يحتاج إلى عمل سياسي كبير يحتمل ثلاثة مستويات قد تعمل معا، وربما من الأفضل أن تتوفر لها كيمياء سياسية وفضاء ثقافي مشترك للعمل، والمقصود مبادرة سياسية عاجلة للمصالحة الوطنية تبدأ من الداخل وتجد دعما ورعاية عربية ومساندة دولية، المهم  توفر الإرادة والقدرة على استعادة الكتلة الديمقراطية الوطنية المصرية، أي الكتلة المؤمنة بالديمقراطية مضمونا وأداة للعمل السياسي، وهي كتلة عابرة للتيارات الفكرية والسياسية وتلتقي على الالتزام بالديمقراطية، فاذا ما استطاعت هذه الكتلة من استعادة دورها فلا خوف على مصر، وستبقى كل التفاعلات الجارية أقرب إلى الصراع من أجل الديمقراطية، حتى وإنْ شاب هذا الصراع بعض الدماء.
المهم اليوم محاكمة التطرف السياسي الذي يتمسك به كل طرف من أطراف اللعبة السياسية، إنه الاستحواذ والرغبة في امتلاك الجمل بما حمل، ومن أجل ذلك توظف الأديان والجيوش والمحاكم. الاستحواذ السياسي يعيدنا إلى عقلية القبيلة والغنيمة، وكأننا لم نغادرها منذ قرون طويلة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد